الجنائية الدولية.. وانقلب السحر على الساحر

تقرير: رانيا الأمين(smc)

 

ألقت التسريبات الأخيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية بتلقي رئيسة المحكمة الجنائية الدولية سيلفيا أليخاندرا فيرنانديز رشاوي للحصول على شهادات مزورة ضد الرئيس البشير الضوء على المتناقضات التي ظلت تلازم المحكمة الجنائية الدولية حيث أوردت صحيفة سيتزن ديجتال الكينية في الثلاثين من يوينو الماضي أن مكتب الجنائية الدولية تحت قيادة المدعي العام السابق لويس مورينو أوكامبو استلم مبالغ تتراوح بين 3- 7 ملايين دولار من منظمات دولية غير حكومية بغرض القيام بإجراءات فاسدة لإدانة الرئيس البشير، كما ذكرت الصحيفة البرطانية ذا لندن أن رئيسة المحكمة الجنائية الدولية سيلفيا أليخاندرا فيرنانديز تلقت بين عامي 2004-2005 في حسباتها المصرفية بمصارف بامكو بوبيولار وفريست كاربيان في جزر البهاما أمولاً تزيد عن 17 مليون دولار استخدمت كرشوة وشراء لذمم الشهود مما ساعد المحكمة إتهام الرئيس البشير وأن تلك المبالغ جرى تحويلها عبر حسابات القاضية من قبل شركات ومؤسسات مثل تاركينج هولدينق المحدودة واتلانتق كوربويشين وجينسس انترناشونال.

وضعت هذه الإتهامات الكرة في ملعب السودان بالتحرك إعلامياً ودبلوماسياً بالتعاون مع الدول الصديقة للعمل على إبطال كافة التهم الموجهة ضد الرئيس البشير وكشف الحقائق لتمليكها للمجتمع الدولي، خاصة وأن هذا الإتهام لم يكن الأول من نوعه حيث ابتدعت المحكمة ما يسمى بالتحقيق من خلال الوسطاء، وهم جماعات حقوق الإنسان المحلية التي تجمع الأدلة وتتصل بالشهود، كما حدث في مالي، ولا يوجد في النظام الأساسي أو اللوائح المنظمة لعمل المحكمة ما يسمى بالتحقيق من خلال الوسطاء ووجهت للوسطاء لاحقاً إتهامات بتقديمهم رشاوي للشهود الذين قدمهم الإدعاء.

ظلت الدبلوماسية السودانية تلعب دوراً مهماً في مناهضة قرار المحكمة الجنائية الدولية منذ إصدار مذكرتها بتوقيف الرئيس البشير ونجح السودان في إقناع الدول الأفريقية والعربية حتى التي وقعت على ميثاق المحكمة برفض قراراتها ضد السودان، ودأبت البعثات الدبلوماسية السودانية في الخارج بالتعاون مع الدول الصديقة على شرح موقف السودان والتركيز على المعايير المزدوجة التي تتعامل بها المحكمة مع الدول الأفريقية، الأمر الذي أتاح السودان الفرصة للدول الموقعة على ميثاق المحكمة بالتفكير في الإنسحاب من النظام الأساسي للمحكمة بموجب المادة (127) والتى (تنص على أنه لأي دولة طرف أن تنسحب من النظام الأساسي بموجب إخطار كتابي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة ويصبح هذا الإنسحاب نافذاً بعد سنة واحدة من تاريخ تسلم الإخطار ما لم يحدد الإخطار تاريخاً لاحقاً كذلك).

من الطبيعي أن أي من الدول تقرر الإنسحاب من المحكمة سيكون له تأثير سلبي على المحكمة وعلى طبيعتها، وما كان قرار قمة جوهانسبيرج العام الماضي الوارد فى البيان الختامى بإجماع الإتحاد الأفريقي بإيقاف ملاحقة الرؤساء الأفارقة، إلا خطوة للإنسحاب من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وسبقت ذلك أيضاً توصيات قمة الإتحاد الأفريقي التي انعقدت مطلع العام الماضي، مما يؤكد إجماع القادة الأفارقة على رفض قرارات المحكمة وعدم التعاون معها.

واستفاد السودان من عدم توقيع الكثير من الدول العربية والإفريقية على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية وساعده هذا في مناهضة مذكرة التوقيف ضد الرئيس البشر بل مثل ذلك تحدياً لقرارات المحكمة، خاصَة مع إعلان الدول الإفريقية الأعضاء في الإتحاد الإفريقي عدم إلتزامها بقرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس البشير، وأورد العديد من المحللين الدولين تشكيكاً في قدرة المحكمة على الوفاء بالتزاماتها، وأجمعوا على أنها موجهة ضد القادة الأفارقة فقط وأنها أداء سياسية لمواجهة الرؤساء الأفارقة.

أوضح السفير سراج الدين حامد مدير إدارة التعاون بوزارة الخارجية أن أمر الرشاوي والمبالغ الكبيرة التي سلمت لمكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يمثل فضيحة كبرى وأزمة أخلاقية من الدرجة الأولى للمحكمة الجنائية الدولية ومن يقف وراء القرار (1593) في ذلك الوقت وما أسس على باطل فهو باطل وبالتالي فإن كل الإجراءات التي تمت في مواجهة المسؤولين السودانين في ذلك الوقت وعلى رأسهم الرئيس البشير تعتبر إجراءات باطلة.

وأضاف هذا الحدث يستوجب منا إعادة التأمل في الخيارات المتاحة للسودان بالتعامل مع هذا الوضع الجديد فنحن في وضع أثرت فيه المحكمة عدم التعليق ولاذت بالصمت حيال الإتهامات وهذا بالطبع يشكك في أن هذا الموضوع صحيح لأنه كان على المحكمة أن تبادر بالنفي وتفتح المجال للنظر في البيانات التي إدعى بها الدكتور كافيتا أنه يمتلكها فيما يخص هذه الرشاوي وكان على المحكمة أيضاً أن تفتح تحقيقاً في هذا الأمر إلا أن ذلك لم يحدث وآثرت المحكمة الصمت حتى يتم تجاوز الأمر بهدوء.

يستبين من الست سنوات التي أعقبت مذكرة توقيف الرئيس البشير أن المحكمة الجنائية الدولية أثبتت عملياً أنها أداة إستعمارية تعمل على تحقيق المطامع الإستعمارية للدول الغربية التي تهيمن على مقاليد الأمور في العالم، كما يظهر ذلك من إستهدافها للدول الضعيفة في أفريقيا خصوصاً، وغضها الطرف بطريقة مخزية ومفضوحة للجرائم التي ارتكبتها الدول القوية كالولايات المتحدة وإسرائيل ضد عدد من دول العالم النامي.

سبق أن إعترفت مجموعة من أبناء دارفور في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا وأفريقيا وداخل المعسكرات أطلقت على نفسها (المجموعة الوطنية لتصحيح مسار أزمة دارفور) بأنها كانت تقوم بتلفيق الأحداث والأرقام في أعداد الضحايا بدعم وتحريض من منظمات دولية لتجريم السودان أمام المحكمة الجنائية الدولية ومدها بمعلومات مزورة، ودلل حينها المترجم صلاح الدين محمد منصور الذي ترجم لكثير من المنظمات ولمحققي الجنائية كيف كانوا يضخمون الأرقام في أحداث القتل بدلاً عن أن نقول (10) نقول (200) و(300)، وأكد أنهم دائما ما كانوا يقحمون قوات الحكومة عند حدوث صراع قبلي أو هجوم الجنجويد لتوريطها، وأشار أنه ترجم لخمس شخصيات غربية فى المعسكرات وكان أحد المترجمين الذين تم إختيارهم لإجادتهم لغات الفور، الزغاوة والمساليت لما له من صلات وثيقة بالمنظمات والصحافة الدولية حيث بدا عملهم لصالح التحقيقات الأجنبية في نهاية مايو 2004م عبر تنظيم منظمة أمريكية للقاءات مع محققين أحدهم أمريكى شارك في تحقيقات البوسنة وفريق يضم ممثلة المحكمة (آني اندرسون) التي طلبت منهم القيام بالترجمة وكشف أن المجموعة كانت تقوم باختيار الشهود وتقوية شهاداتهم الضعيفة بعدد من الإدعاءات وتحريض كل من يقول إن إفادته سماعية أن يدعي أنه (شاهد عيان).

وروى وقتها المترجم آدم محمد يعقوب الذي عمل في منظمة (سي آى جي) الأمريكية كيفية التضليل في نقل المعلومة حيث وصل بهم الأمر إلى حد التدخل في الترجمة بإضافة معلومات من عندهم وفقاً لتوجيهات المنظمة، فيما قال عبدالرحمن صالح يوسف أحد الشهود الذين استعين بهم في المحكمة وهو من أبناء منطقة (دليج) بغرب دارفور، قال عندما تم اختياره في عام 2005م ليكون شاهداً على أحداث دليج طلب مني المترجم أن أقول إنني شاهد عيان وليس شاهد سماعي مع تضخيم الأرقام حيث قمت بالفعل بزيادة العدد من (30) قتيل إلى (173) ومن (10) إلى (280) قتيل.

من خلال النظر في ملف المحكمة الجنائية الدولية يتبين من خلال الإتهامات السودانية والعالمية لها بتلقي الرشاوي وتلفيق الإتهامات أنها أضحت في موقف حرج يمكن السودان من سحب بساط العدالة من بين يديها حال أحسن إستغلال الوضع الراهن بالتعاون مع الدوائر القانونية الدولية والعالمية، خاصة وأن المحكمة الجنائية أدخلت نفسها في حرج بالغ بتحديها الإرادة السياسية للسودان.. ويبقي السؤال بعد أن كشف الستار هل يستطيع السودان أن يلاحق المحكمة الجنائية الدولية؟