السودان درّة تاج آل عثمان (1)

8/5/2017

مقدمة:

ورث العثمانيون مصر والبحر الأحمر عن الدولة المملوكية كمفتاح للقارة الافريقية (1517)، وغدت مسؤولية خلافة المسلمين على كاهلهم. وبذلك تكوّن أمران أساسيان لما بعد ضم مصر، أولهما الحافز الديني الجديد، والثاني الحدث السياسي العسكري كنتيجة للولوج إلى المياه الدافئة في الشرق الأوسط. فالحافز الديني جعل العثمانيين مجيبين لنداء الإمارات الإسلامية في نجدتها من استعمار مطبق، والحدث السياسي، يحدوهم ليكونوا سلطة كبيرة للسيطرة على المنطقة بشكل فعّال.

ونحن نرى هذين الأمرين متجسدين في طلب إمارتي هرر والفونج الإسلاميتين في حوض السودان النجدة من التحالف الصليبي الحبشي البرتغالي الذي يخطط لاحتلال الشرق الافريقي وضمّه إلى سواحل الهند والخليج العربي، حتى تكتمل سيادة امبراطورية الاستعمار آنذاك على موانئ التجارة. فلم تكن السيطرة على مصر أمرًا كافيًا بالنسبة للعثمانيين، فكان لزامًا إتمام الأمر بالوصول إلى سواحل إفريقية الشرقية، فكانت السودان خير درع لتشكيل هذه المهمة، ولحماية النفوذ العثماني في هذه المنطقة بشكل رئيس.

الشرارة التي حفّزت العثمانيين لضم السودان

لقد تم وضع فكرة مشروع قناة السويس في هذه المرحلة، لأول مرة في العهد العثماني، عام 1568، في عهد الوالي رضوان باشا، ولكنه لم يكتب لها النجاح بسبب صعوبة الحال السياسي والعسكري آنذاك.

بعد حروب شعواء خاضها زعيم إمارة هرر الإسلامية في الحبشة، أحمد بن إبراهيم، ضد الحلف الحبشي البرتغالي، كان قد قتل في آخر معاركه عام 1543، وقد نزل خبر استشهاده بشكل محزنٍ على قلب السلطان سليمان القانوني، فأدى ذلك إلى إرسال أوزدمير باشا (1555) كأول فاتح لتلك الأراضي بعد عودة حملة الهند إلى مصر، إذ دخل جزيرة سواكن السودانية، كأول مركز تم إنشاء إقليم الحبش فيه، وقد استمرت هذه الجزيرة مركزًا لحكم هذا الإقليم، حتى تكوّن السودان العثماني الحديث بعد دخول محمد علي إلى مصر عام (1805).

وقد كانت أساطيل العثمانيين قد رجعت من حملة الهند(1538) بقيادة سليمان باشا، ويعني وجود حملة على الهند أن العثمانيين بدأوا ينافسون القوة البرتغالية الاستعمارية على مستعمراتها في جنوب العالم، ومع وجود مصر تحت سلطة العثمانيين، ومع ضم سواحل البحر الأحمر كذلك، لم يبق إلا وضع درة التاج على هذا الحكم حتى تتمكن الدولة العثمانية من التحكم المطلق في حملات الهند، وتوجيه الأساطيل العثمانية الغازية نحو فتح بلاد العالم ونشر الدين الإسلامي.

إن إرسالية أوزدمير باشا إلى سواكن السودان (نحو1555)، بعد غزوات الهند، كانت بمثابة قطرة الغيث للأرض الجرداء التي تلتف حولها أعين البرتغال والإسبان في محاولة تقويض سيطرة العثمانيين على مصر وجعلها مقزمة حقيرة لا تسطع الوصول إلى نجدة سائر أمة الإسلام، والعدل على سائر البشرية، فقطرة دمع السلطان القانوني على إخوته المظلومين، اشعلت شرارة وصول المد العثماني إلى عمق أفريقيا، وكان المدد عندها.

ليس من باب المبالغة القول بأن السودان، والتي كانت لُبّ إقليم الحبش هي بقعة التوازن التي حافظت على الوجود العثماني في الشرق الأوسط، وأن مقدار قوة العثمانيين في حكم الشرق الأوسط يظهر في هذه المنطقة، وهذا ملاحظ عند رؤيتنا لاختلال التوازن في الشرق الأوسط، من بعد حصول الفوضى في هذا الإقليم.

والوصف الجغرافي لإقليم الحبش قبيل تأسس السودان، منفردة عنه، كان يحوي إريتريا وجيبوتي كاملتين، وأجزاء من أثيويبا والصومال، أما الجزء الأوسع فكان مركزًا في السودان، وكان هذا الإقليم يدار من ميناء سواكن السوداني. وكما يلاحظ فإن هذا الإقليم كان ساحليًّا بالدرجة الأولى، وهو الهدف الأكبر الذي جعل من الجمارك على تجارة السفن، المورد الاقتصادي الأول به، إضافة إلى تشكيل الحماية العسكرية للثغور الجنوبية للدولة.

مراحل التأسيس

مضى نحو نصف قرن (1555-1600) حتى برز إقليم الحبش بالمعنى الحقيقي للإقليم الذي يصد الهجمات ويكون حاميًا للمصالح العثمانية ويُعطي التحكم الأكبر للدولة في الشرق الأفريقي، والمرحلة الأولى من تأسيسه امتدت بين (1555-1700). حيث كان مركزًا عثمانيًّا مستقلًا يُحكم من المركز، ولا يتبع أي إقليم آخر، وكانت الدولة العثمانية تعّين الولاة عليه وتعزلهم مباشرة من مركز الحكم، استانبول، ولقد حكم هذا الإقليم في هذه الفترة 11 واليًا.

إن إرسالية أوزدمير باشا إلى سواكن السودان (نحو1555)، بعد غزوات الهند، كانت بمثابة قطرة الغيث للأرض الجرداء التي تلتف حولها أعين البرتغال والإسبان.اا

ولقد تم وضع فكرة مشروع قناة السويس في هذه المرحلة، لأول مرة في العهد العثماني، عام 1568، في عهد الوالي رضوان باشا، ولكنه لم يكتب لها النجاح بسبب صعوبة الحال السياسي والعسكري آنذاك، وكان الداعي الأكبر لتأسيس مثل هذه القناة، هو نتيجة التحريض الاستعماري البرتغالي للقبائل الموجودة في جنوب هذا الإقليم، وكذا سهولة وصول الدعم للتحركات الناجمة عن الحروب مع مملكة الحبشة في الجغرافيا الأثيوبية الحالية، وكما يُذكر في رسالة السلطان سليم الثاني إلى والي مصر(1568)، أن أعظم الأسباب لشق هذا “الخرق” -كما سُمّي في الرسالة- هو سهولة وسرعة ضرب البرتغاليين في عقر مستعمراتهم في الهند.

ومنذ بداية القرن الثامن عشر(1701-1798) تشكّلت المرحلة الثانية نتيجة لبروز التنافس الاستعماري الجديد، الممثل بالدول الأوروبية؛ بريطانيا وفرنسا وهولندا، وقد شهد هذا القرن خمولًا عن دفع الأخطار بسبب كثافة التنافس الاستعماري المستجد مقابل الضعف الذي عانت منه الدولة العثمانية.

وبناءً على هذه المعطيات رأت الدولة تشكيل تنظيم خاص لمد إقليم الحبش السوداني بالمعونة، بجعل منطقة جدة وإمارة مكة المكرمة، مشتركتين مع إقليم الحبش في الحكم، وقد مثلتا إسنادًا روحيًّا وماديًّا له، وهذا الإشراك في السلطة يبيّن لنا أن إقليم الحبش بدأ يضعف فعلًا، وما عاد قادرًا على الإعتماد على نفسه، ومع استمرار هذا الوضع، دفع المتولي على إقليم الحبش أن لا يذهب ليدبر أموره مباشرة منه، بل يكتفي بالإقامة في جدة أو مكة المكرمة، ويبعث نائبًا عنه إلى سواكن، مما جعل مواجهة الفوضى في هذا الإقليم أمرًا صعبًا، وبالتالي بروز بوادر فكرة ضم هذا الإقليم إلى مصر، خصوصًا مع تشكّل مصر “محمد علي” الطامحة لضم حكم المنطقة لها، والذي شكّل مركز قوة جاذب أكبر من مكة وجدة على إقليم الحبش.

أما المرحلة الثالثة، فقد شكلت أصعب مرحلة في تاريخ إقليم الحبش، والتي بدأت تتشكل معالمها منذ بداية الإحتلال الفرنسي لمصر، وبدء خروج إقليم الحبش (حوض السودان) من تحت يد السلطة العثمانية، شيئًا فشيئًا، وهي ما ستمثل محور الجزء الثاني من هذا المقال.

المصدر:(مدونات الجزيرة)