السودان.. درّة تاج آل عثمان (2)

14/5/2017
 المرحلة الحرجة
تشكلت المرحلة الثالثة خلال الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر على أفريقيا، والتي تلاها تشكل مركز قوة “شبه مناكف” للعثمانيين بظهور أسرة محمد علي التي حكمت مصر، وظهور الحلف العثماني البريطاني لإنهاء الوجود الفرنسي في البحر الأحمر. ولعل هذه المرحلة لها الدور الأبرز في بدء تدخّل الإنكليز في شؤون البحر الأحمر.

مثلت هذه المرحلة الفترة الجديدة لإقليم الحبش، إذ كانت الجغرافيا التي يمثلها هذا الإقليم حتى أواخر القرن الثامن عشر، تمتد من ميناء بركال مرورًا بميناء بربره الصوماليين، إلى العاصمة جيبوتي، وحتى موانئ بيلول ومصوع الأريترية، دخولًا إلى الأراضي السودانية بميناء جزيرة سواكن المركزي، امتدادًا إلى مدينة برنيس المصرية المواجهة لميناء أملج السعودي، وهذه الحدود البحرية.

ومن برنيس نتوجه إلى تقاطع حدود السودان الشمالي مع نهر النيل في مدينة وادي حلفا، مع قطع “محافظة الشمالية” السودانية من المنتصف بحيث تضم نزولًا الخرطوم ضمن إقليم الحبش العثماني، وترك مدينتي الأبيض في كردفان، وسنار -عاصمة مملكة الفونج القائمة آنذاك- ومن ثم الدخول إلى الأراضي الأثيوبية الشمالية في منطقة أمهره، وحتى مدينة جيجيكا الحدودية مع الصومال ورجوعًا إلى ميناء بركال، نكون قد أغلقنا حدود إقليم الحبش في أقصى اتساع لها، قبيل تواجد نفوذ محمد علي وسلالته في مصر.

ولقد كان أبرز ما أضافته أسرة محمد علي للإقليم هي أراضي السودان الداخلية (الغربية البعيدة عن الساحل)، وفي هذه المرحلة ساد الاضطراب إقليم الحبش؛ نتيجة الاختلال السياسي والعسكري الذي عانى منه، فتارة يضم لإقليم الحجاز، وتارة يقسم بين مصر والحجاز، وتارة يترك لإدارة العاصمة المركزية.

تشكل السودان وضمّه لمصر
تُعزى أوّل فكرة ضم السودان لمصر، لوالي إقليم الحبش الثاني عثمان بن أوزدمير(1566)، ولكنها فشلت بسبب الثورات التي نشبت آنذاك، وانحصار واردات الإقليم لتقويته. وقد برزت السودان بشكل جليّ حين تحددت إنجازات محمد علي في إقليم الحبش، بحيث ضم إليه دارفور وكردفان وسنار وبحر الغزال، وبذلك يُعتبر موسّع حدود هذا الإقليم، ولم تجد استانبول من سبيل غير أن تعطيه الفرمان المشروط بعدم التوريث، لضم السودان لمصر(1841)، وبهذا يعتبر محمد علي واضع حجر الأساس الجغرافي للسودان الحديث.

ويتمحور سبب ضم إقليم الحبش ونواحيه لمصر، حول ضعف إدارة هذا الإقليم، وزخم التنافس الاستعماري عليه، وبُعده عن مركز الحكم، وكذلك تشكل مركز قوي ليستقطبه من قبل مصر.

وعلى صعيد آخر فيجب أن ننتبه إلى أن توجه محمد علي لإخماد الثورات في جنوب السودان بشكل تامّ، كالإنجاز على مملكة الفونج في عاصمتهم، سنار، قد ساهم في إنهاك واستهلاك القوة المصرية العثمانية، وإضعاف القوة الحقيقية للسودان في إدارة إقليم الحبش، مع عدم غض النظر في الدور الخطير والمتصاعد للاستعمار البريطاني في هذا الإقليم بشكل واسع.

الانهيار
إن الرسائل السرّية الموفدة(1883) من مندوب سلطان العثمانيين، وخليفة المسلمين، عبد الحميد الثاني في مصر، أحمد مختار باشا، عن «تخريب الإنكليز لطرق التجارة، ومنعهم التجار من التنقل بين مصر والسودان، وتسليح الثورات القائمة في المنطقة»، كله يشير إلى الدور الهدّام الذي يلعبه الإنكليز في السودان، وأنّ العبث الحقيقي والظاهر بالشرق الأوسط بدأ منذ هذا الوقت، وبالخصوص منذ تنصيب البريطان اللورد كرومر على مصر، والذي يصفه الساسة العثمانيون آنذاك بالـ “كاره للإسلام”!

إن الهدف الأساسي من تكوين إقليم الحبش هو وجود موانئ تحمي الحدود البحرية الجنوبية، ومع دخول هذا الإقليم مرحلته الثالثة، صُرف عن هدفه الرئيس بالحروب الداخلية كإنهاء مملكة الفونج-على سبيل المثال- مما استنزف قدرات إقليم مصر والحبش في هذا العمل، فلم يلبث الفراغ الناشئ عن إنهاء الفونج(1821) إلا وظهرت الثورة المهدية عام (1881) والتي جمعت شتات القوات السودانية المختلفة على مدى عقود، وكان العثمانيون يرون «أنها تصب في مصالح البريطان»، فكان لابد لهذا الفراغ أن يملأ من القبائل الموجودة على يد الإمام محمد أحمد المهدي(ت1885)، ومع القضاء على هذه الثورة، جاء القانون الإنكليزي ليملأ الفراغ مكانه(1899)، وهي سنة الانقطاع الفعلي بين الحبش العثماني والدولة العثمانية.

وهكذا ظهر الضعف في إقليم الحبش، وما عاد مركزًا له الوزن والثقل الذي أنشئ لأجله، وعند ملاحظة انهيار الدولة العثمانية في الشرق الأوسط، نجد أنّ أوائل البقع التي خرجت من سيطرتها هي في أفريقيا، فاحتل البريطان مصر، بعد ضعف إقليم حوض السودان، ومن ثم تهاوت أقاليم أفريقيا الأخرى، وتبعها سقوط متسارع للحجاز والأراضي الشامية والعراقية والنجدية حول الحرب العالمية الأولى، فالعقدة مربوطة بالبحر الأحمر، والذي دار حوله صراع الاستعمار البرتغالي الإسباني ثم الفرنسي البريطاني الإيطالي الهولندي، والذي استلم به العثمانيون خلافة الأمة، استلموها بسواكن السودان، وفقدوها بسويس مصر.

إن دولة المماليك لم تكن تتحكم بالبحر الأحمر بشكل محكم من خلال الحبش والسودان، وهو ما قام العثمانيون بتغطيته في عهدهم، وعندما عاد حال العثمانيين الأخير، كما كان عهد المماليك الأخير؛ كان مصير العثمانيين كمصير المماليك، ولكن إلى من، ومن المتحكم الجديد؟! تعرفونه جيدًا…

ومن أراد العيش في ظروف العهد العثماني الأخيرة الحرجة في السودان مقارنةً مع الدور الأوروبي في هذه الأرض المجاهدة، فلا يذهب بعيدًا! ولينظر إلى أعمال الجمهورية الفرنسية ومن وراءها الدول الأوروبية في جمهورية أفريقيا الوسطى بعد 100 عام من بداية الحرب العالمية الأولى، في 2014..

المصدر:(مدونات الجزيرة)

تعليقات الفيسبوك