الصفاقة الأميركية في التباكي على جنوب السودان

عامر راشد- موقع سبوتنيك

هناك ما يبرر مخاوف حكومة سلفاكير ميارديت إزاء إدعاء واشنطن، وبعض حلفائها الغربيين، الحرص على الأوضاع في جنوب السودان، فأجندة الولايات المتحدة وحلفائها كانت عاملاً رئيسياً في المصائب التي حلت بالسودان، وليست بعيدة عن مصائبه الراهنة.
مجلس الأمن الدولي

يأخذ على حكومة جنوب السودان، بعد الانفصال عن دولة السودان الموحدة في 9 تموز (يوليو) 2011، بأنها فشلت في معالجة الخلافات بين القبائل والفصائل المسلحة في البلاد، وبناء مؤسسات قادرة على النهوض بأعباء الدولة، وبلورة مقومات هوية وطنية مشتركة وتعزيزها. ويتحمل الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار مسؤولية خاصة حيال ذلك، في الصراع على السلطة وتعميق الانقسامات السياسية، ببعدها القبلي، فقد أفق الرجلان في إدارة شؤون الحكم بالشراكة بينهما، وانتشر الفساد في مفاصل الدولة الوليدة، ومورست انتهاكات لحقوق الإنسان وعمليات اغتصاب وقتل على نطاق واسع، لتصل البلاد إلى حافة حرب أهلية شاملة، من واجب المجتمع الدولي التحرك بفاعلية لمنع وقوعها.

الأمم المتحدة أصدرت قراراً صادراً عن مجلس الأمن الدولي، وأجاز القرار إرسال 4000 جندي إضافي كـ”قوات حماية للمدنيين” في عداد القوات الدولية العاملة في جنوب السودان، ويسمح هذا القرار الذي جاء تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة، للقوات الدولية باستعمال كل الوسائل الضرورية للقيام بمهامها، وفرض حظر على توريد الأسلحة إلى جنوب السودان في حال تأكيد عرقلة حكومته مهام البعثة الدولية. وسيقدم الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، تقريراً أوليا لمجلس الأمن في غضون 30 يوما، وقد يتبع ذلك تصويتاً سريعاً على حظر الأسلحة في حال اتضح أن حكومة جوبا لا تتعاون في عملية النشر.

 

نائب رئيس جنوب السودان رياك مشار

الولايات المتحدة هي من صاغت القرار، وصوت إلى جانب القرار 11 دولة، بينما امتنعت عن التصويت 4 دول، روسيا والصين ومصر وفنزويلا، والتحفظ ليس على القرار بحد ذاته بل يرجع إلى عدم الثقة بما تريده الولايات المتحدة الأميركية من وراءه، والكيفية التي ستحاول من خلالها توظيفه لاحقاً، ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم سبب رفض حكومة جنوب السودان مشروع القرار، وتأكيدها أن من شأنه أن “يقوض سيادتها” وتشديدها على أن “القوة الإقليمية الجديدة يجب أن لا تكون تحت قيادة قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي يبلغ تعدادها حالياً 13500 جندي”.حكومة سلفاكير ميارديت تراجعت عن موقفها الرافض للقرار مجلس الأمن، وأبدت على لسان رئيسها استعدادها لإخضاع قرارها للبحث، وأنها ليست بصدد “شجار مع الأمم المتحدة”، وهذا موقف إيجابي، فمن الواجب التعاون  مع الأمم المتحدة كهيئة دولية، بشرط تقديم ضمانات بألا تستغل قراراتها من أجل تنفيذ أجندات خارجية عن روحية القرارات، وكلنا نذكر كيف أساءت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها تفسير واستخدام العديد من القرارات، لاسيما ما يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي والعراق وليبيا واليمن…الخ، وكان للسودان قبل الانفصال وبعده نصيب كبير من السلوك الأميركي المنحرف في تعاطي واشنطن مع القرارات الدولية، ما يبعث مخاوف لدى أبناء السودان في شماله وجنوبه من مخططات أميركية لتنفيذ سيناريوهات جديدة لتقسيم السودان وجنوب السودان إلى مجموعة دويلات.

السيناريوهات الجديدة استكمال للأجندة الأميركية الهادفة إلى تشظي السودان، فواشنطن تدعم من وراء الستار إقامة دويلة في دارفور، وأعرب مسؤولون أميركيون أكثر من مرة بأنهم لا يستبعدون تقسيم جنوب السودان إلى دويلات طائفية، بذريعة منع نشوب حرب أهلية، لإنشاء (حزام ناري)، إذا صح التعبير، من “دول فاشلة”، تهدد استقرار كل دول المنطقة لإعادة رسم خريطتها لتسهل وضعها تحت الهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها.

موقع ويكليكس” نشر وثائق أرسلتها السفارة الأميركية في الخرطوم عام 2006، كشفت عن أن جنداي فريرزر، مساعدة الشؤون الأفريقية لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كونداليزا رايس، قالت لعدد من قادة المعارضة السودانية الجنوبية، من بينهم ياسر عرمان ومالك عقار وودينق الور، “إن الأميركيين لا يريدون الوحدة”، في ردها على تأكيد هؤلاء القادة بأن جون قرنق كان يريد الوحدة.

ولا يوجد اليوم ما يؤكد أن الولايات المتحدة غيرت من موقفها الذي عبّرت عنه فريرزر بفجاجة، لكن واشنطن تتباكى بصفاقة على جنوب السودان، وعلى السودان أيضاً، ولن ينفع السودانيين، في الشمال والجنوب، التباكي على لبنهم المسكوب، ولن يوقف السيناريوات الأميركية سوى أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم، لقطع الطريق على أجندات واشنطن، وبمقدار ما ينجح السودانيون في مساعدة بعضهم بعضاً على حل مشاكلهم يمكنهم ضمان منع إساءة تفسير الولايات المتحدة وحلفائها لقرارات الأمم المتحدة.