العين الثالثة/ (بلاش استهبال)!

ضياء الدين بلال

-1-
حسناً فعل صديقنا الأصغر الصحفي النابه، فتح الرحمن شبارقة، وهو يُسارع برشاقة لإجراء حوارٍ مع السفير الروسي بالخرطوم، عقب إثارتنا في هذا العمود للتحريف الذي تم لتصريحات وزير خارجيته عن (أمريكا وانفصال الجنوب والمحكمة الجنائية).

السفير أكد ما ذهبنا إليه، بأن تحريفاً ماكراً تمَّ لحديث الوزير، فهو لم يتحدَّث من قريب أو بعيد عن وجود صفقة أمريكية بوساطة روسيا، لتيسير الانفصال مقابل تجميد الجنائية.
السفير الروسي قال لشبارقة الآتي:

(الوزير ذكر المحكمة الجنائية الدولية لهدف واحد، وهو وصف الموقف الأمريكي، فقال إن أمريكا كانت تضغط على الرئيس السوداني، وكانت تطلب أن يحضر إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وأمريكا لم تكن تفهم العواقب البعيدة لسياساتها؛ فلذلك بعد أن طالبت بفصل السودان إلى جزأين، عادت أمريكا نفسها وطالبت بفرض العقوبات على جوبا، وهذا معنى كلام الوزير. أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية فأنت تعرف أن روسيا ليست عضواً في هذه المحكمة ولدينا رأي واضح فيها).
-2-
النقطة التي لم ينتبه لها الكثيرون هي: لماذا تم تحريف تصريحات وزير الخارجية الروسي لافروف، وبُنِيَت على ذلك التحريف تحليلات وأُطلِقَتْ أحكامٌ بغرض إدانة الرئيس البشير وطنياً باعتبار أنه قدم مصلحته الشخصية على وحدة الوطن؟!
الغريب أن هذا الفخ الإعلامي وقع فيه بعض من نظن خيراً في مصداقيتهم ورجاحة عقلهم، وولغ فيه أصحاب غرضٍ ومُحترفو كيد!
والأغرب من ذلك التعامل بسلبية من قبل الجهات الحكومية مع هذا الاتهام الخطير، ما عدا وزير الخارجية بروف غندور، فقد تصدَّى للنفي وتصحيح ما نُقِل.
كنت أتوقَّع أن يُتبع ذلك باتصال سريع -على خفَّة شبارقة- مع الخارجية الروسية أو سفيرها بالخرطوم لتوضيح الأمر.
قد يظن البعض أن الأمر بسيطٌ لا يستحقُّ الاهتمام، ولكنه على عكس ذلك تماماً، فهو من نوع المعلومات التي تُسجَّل في كتب التاريخ عن الحكومات والرؤساء وتُسيء لهم.
المعلومات المغلوطة أو الشائعات المُختلقة أو المُحوَّرة جينيَّاً، تكتسب قوة وصلابة مع مرور الزمن وكثرة التكرار واعتيادية الترديد، حتى تصبح أقوى من الحقائق، بل قادرة على هزيمة الحقائق في لحظات المواجهة.
-4-
دخلت في جدال واسع بقروبات الواتساب ومع البعض في الخاص، لإثبات التحريف الذي تم لحديث الوزير، بفهم أننا كصحافة من صميم واجبنا فحص الأخبار والمعلومات، والتأكد من صحتها.
أسعفني الدكتور محمد شرف الدين أستاذ اللغة الروسية والترجمة بجامعة بحري، بترجمة حرفية لحديث الوزير أكدت ما ذهبت إليه في العمود.
سأنقل إليكم نص ترجمة دكتور شرف الدين:
قال لافروف الآتي:
(وللحديث عن أحدث الأمثلة، وهو السودان، لقد أُعلن الرئيس السوداني البشير كمطلوب للجنائية الدولية، وبعد عدة سنوات رأت إدارة أوباما أن تسوية مشكلة السودان تكمن في تقسيم السودان إلى جزأين، وطلبوا منا، بإلحاح، المساعدة للحصول على موافقة الرئيس  البشير – الذي كانت الولايات المتحدة ترغب رؤيته ماثلاً أمام المحكمة الجنائية الدولية – بأن لا يُعارض تقسيم السودان إلى دولتين، والتزم البشير بكلمته، وصار يتعاون مع المجتمع الدولي، وتم تقسيم السودان وفقاً للمشروع الأمريكي مشروع إدارة أوباما، والغريب في الأمر أن إدارة أوباما في العام الماضي عملت على فرض عقوبات على وليدتها جنوب السودان).
انتهت الترجمة.
-5-
هل وجد أحدكم أي كلمة أو إشارة مباشرة، لوجود صفقة تمت لتسهيل انفصال الجنوب في مقابل تجميد إجراءات الجنائية، كما يُروِّج البعض؟!!
السؤال المهم، كيف يقبل الرئيس البشير عرضاً وهو لم يُقدَّم إليه في الأساس؟!!
ما وافق عليه الرئيس البشير – وجاء في الترجمة – هو طلب إدارة أوباما بألّا يُعيق الاستفتاء، ولكن دون تحديد مقابل لذلك.

المحكمة الجنائية جاءت في حديث لافروف عرَضاً، ولم تأتِ في سياق صفقة أو مُساومة.
-6-
مصدر التحريف الأساسي تم في ما يعرف باختيار العناوين التفسيرية للخبر، مثل العنوان الذي أورده راديو دبنقا حيث جاء فيه:
(وزير الخارجية الروسي يكشف عن صفقة تمت بين الرئيس البشير وإدارة أوباما لتقسيم السودان).

ما تم لخبر لافروف يتمثل في الآتي:
إسقاط تم على النص.
تعسف في التأويل.
تحريف في العنوان.
-7-
انفصال الجنوب كان قدراً سياسياً تمَّ التعبير عنه بنسبة قاربت الـ100%، وإسناد دولي فاق التصور، ولم يكن بمقدور الحكومة الوقوف ضده أو إعاقة تنفيذه ولو رغبت في ذلك، لذا لا توجد حيثيات تبرر تقديم العرض في الأساس.
-أخيراً-
إذا كان انفصال الجنوب خطيئة وطنية، فالجميع قد ساهموا فيها بأقدار ونِسَبٍ متفاوتة، طالما أنهم منحوا الجنوبيين حق تقرير المصير.
(بلاش استهبال)!