المعالجات الفكرية لمعالجة التطرف نجحت بنسبة تجاوزت 80% (حوار)

العميد معاوية مدني نائب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب:

دوائر في واشنطن ترى أن وجود السودان في قائمة الإرهاب يضر بالمصالح الأمريكية

ممثلو المجتمع الدولي والدول الغربية زارونا وأشادوا بتجربة السودان

أعمار معظم الذين تعرضوا للإستقطاب بين 15- 35 سنة ومنهم من ترك الدراسة

الشباب القادمون من الغرب ينعزلون إجتماعيا مما يجعلهم عرضة للإستقطاب

السودان قبل تدريب دعاة بالدول الغربية على معالجة قضايا التطرف

العالم الإفتراضي جعل التجنيد يتم بتواصل من هم بالخارج مع أي شخص داخل غرفته

الآليات الدولية والإقليمية تتعاون مع الدول بشكل مباشر فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب

حوار: عبد الله بشير (smc)

تطورات ونقلة نوعية شهدها عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب منذ بدأت أعمالها عام 2003، حيث اتسعت عضويتها لتشمل ممثلين لمؤسسات ووزارات مختلفة… وتقوم السياسات والخطط الوطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف على إنتهاج الوسطية والفكر المعتدل وهي السياسة التي يقوم عليها السودان كله، لذلك جاء موضوع المعالجات الفكرية تعزيزا لهذا المفهوم.

المركز السوداني للخدمات الصحفية إلتقى العميد معاوية مدني أحمد نائب رئيس الهيئة لمعرفة الرؤية التي تمارس من خلالها الهيئة عملها والدور الذي تقوم به لحماية المجتمع إلى جانب التعاون الوطني والإقليمي والدولي في مكافحة هذه الظواهر التي تهدد الأمن القومي السوداني وتشكل خطرا على السلم والأمن الدوليين.

  بداية، ما هو تقييمكم لتجربة المعالجات الفكرية لمعالجة التطرف؟

منهج المعالجات الفكرية بدأ منذ 2008 واستطيع أن أقول أنه نجح بنسبة تجاوزت 80%.. ونحن اساساً مقتنعون أن هناك حاجة لمعالجة الظروف التي تؤدي للإرهاب، وقد بدأنا الأمر بدراسة واستبيان بالتعاون مع (UNDP) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شاركت فيه الجهات المختصة لمعرفة الأسباب التي تدفع هؤلاء الأشخاص للانضمام للتنظيمات الأخرى.

استعنا في هذه الدراسة بخبراء من امريكا وبريطانيا وروسيا وتمت بمنتهى الشفافية واشاد بها الأمين العام للأمم المتحدة وقال عنها أنها عمل غير مسبوق ولا زال صدى ذلك كبيراً.. إلى جانب إنتاج فلم قصير “إيمان” لتوعية أصحاب المصلحة بخطورة هذه القضية في السودان. هذا الفيلم أحدث ضجة بالخارج وقالوا إنه يستحق مكافاة.

حدثنا بإختصار عن التجربة.. وهل تعني إجراء غسيل لأدمغة المتطرفين؟

المنهج يتم تطبيقه على عدة مراحل على رأسها التحليل النفسي للموقوف، واكتشاف وتحليل أفكاره ومعتقداته، ثم تأتي مرحلة الحوار بين المختصين والموقوف.

المراجعات ليست غسيل أدمغة بل هي أقرب لجلسة نقاش حيث يتم مقارعة الحجة بالحجة، ويقوم مجمع الفقه الإسلامي بتحديد الذين يقومون بالحوار من العلماء المؤهلين. في هذا الفترة يتم معرفة وتصحيح الأفكار الخاطئة.. وهذه المرحلة قد تأخذ فترة طويلة، هناك من يصل لقناعات مبكرة وهناك من يتمسك برأيه.

ما هو دوركم بعد ذلك تجاه الذين يتراجعون ويعودون للصواب؟

بعد وصول المُحاور لقناعات ذاتية واداركه بأنه كان على خطأ يستكتب تعهد بعدم المضي في مثل هذه  المسائل.. بعدها يطلق سراحه ويكون خاضعا للمتابعة. ثم تأتي مرحلة التأهيل سواء نفسي أو عام لأنه كان في مرحلة إنحراف نفسي وعاد للوسطية وذلك قبل أن يتم الإدماج في المجتمع، حتى يصل لمرحلة فك الإرتباط بالتطرف.

وهنا أشير إلى أن معظم الذين كانوا عرضة للإستقطاب تتراوح أعمارهم من 15- 35 سنة ومنهم من ترك الدراسة منذ المرحلة الثانوية ولم يكملها.

لا شك إنهم خسروا الكثير في مثل هذه السن.. هل يتم الوقوف معهم ومساعدتهم؟

مرحلة التأهيل والإدماج في المجتمع تتطلب التعاون مع مؤسسات مثل التعليم العالي ليتم اعانة الذين تركوا الدراسة للمواصلة في التعليم. والتمويل الأصغر يعطي أموال للذين فقدوا مصدر رزقهم ليواصلوا عملهم، كما أن صندوق العفاف يمكنهم من الزواج.

أثارت ظاهرة إلتحاق عدد من الشباب وخاصة الجامعيين بها قلقاً كبيراً.. كيف يمكن أن تفسر الامر؟

نجد أن أغلب الشباب الذين سافروا للإلتحاق بداعش جاءوا من بيئات غربية. إحدى دراساتنا أشارت إلى أن هؤلاء الشباب ينعزلون إجتماعيا عندما يأتون للسودان وهذا يجعلهم عرضة للإستقطاب بأحاديث ضعيفة وفتاوي يعتقدون أنها صحيحة لأن مستوى تدينهم عادي.

العالم الإفتراضي جعل طرق التجنيد تختلف ولم تعد بطريقة مباشرة.. كثير منهم استقطابهم تم بالتواصل من داخل غرفته مع شخص في الخارج يرسل له كتاب أو فتوي ليؤثر عليه.

علمنا أن لديكم برنامجا لتحصين المجتمع.. هل يمكن أن تحدثنا عنه؟

نعم.. برنامج التحصين وحماية المجتمع يهدف لحماية المجتمع من مخاطر التطرف العنيف، وهو دور لا يتوقف على الدولة فقط فالمساجد لها دور ورسالة في الخطاب الديني المعتدل، وكذلك الأسرة والدور التعليمية ووسائل الإعلام.. فتضافر هذه الجهود تجعل المجتمع معافي.

منهج  المعالجات الفكرية هل يمكن القول أنه تجربة تصلح أن تحتذي بها الدول الأخرى؟

هناك ممثلون للمجتمع الدولي والدول الغربية زارونا ووقفوا على تجربة السودان واشادوا بها، بل إنهم بدأوا يستفيدوا منها بتطبيقها عندهم.. جاءنا الكثيرون من مؤسسات رسمية ومنظمات مجتمع دولي واعلاميون ووقفوا على تجربتنا وسمعوا منا الكثير وعكسوا ذلك للخارج.

هل هناك دول أو جهات بعينها استطاعت أن تنقل هذه التجربة؟

عندما نعكس هذه التجربة بمنهجها وتفاصيلها التي تحدثت عنها، يأتينا كثيرون من دول الغرب ويشكون من عدم وجود متخصصين في المحاورة.. قلنا لهم إننا مستعدون لتدريب أكبر عدد من رجال الدين الإسلامي الذين يحملون جنسيات دول غربية وهم بدورهم سينشئوا مراكز مثل التي لدينا، وبالفعل ربطناهم مع المراكز في السودان.

أيضاً لدينا شراكة مع “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” هم دخلوا معنا في هذا البرامج ووقعوا معنا مذكرة تفاهم وتواصلوا مع الأمم المتحدة ودول في إطار إنشاء شركاء أصيلين، وقالوا أن أي اتهام للسودان هو اتهام لنا.

هل طبيعة المجتمع السوداني نفسه لها دور في نجاح التجربة برأيك ؟

بالتأكيد.. فنحن مجتمع متسامح. وإذا أردنا عمل مقارنة إحصائية بالجرائم الإرهابية التي ترتكب في السودان مقارنة ببقية الدول فنجد أن البون كبير.

هل يعني ذلك كله أن نظرة المجتمع الدولي تجاهنا قد تغيرت؟

هناك تصنيف دولي وضع السودان وضع في الـ At risk فرغم أننا محاطون ببؤر ومناطق التهاب إلا أن تصنيفنا دون مرحلة الخطر.

هل هناك تعاون مع المجتمع الإقليمي والدولي يشمل تبادل المعلومات؟

الصكوك الدولية التي وقع عليها السودان تلزم بأن يكون هناك تعاون فالإرهاب ليس قضية وطنية، مثلا إذا هناك سوداني أو أجنبي يشكل خطر إقليمي وقام بفعل في دولة ما وذهب لدولة أخرى فالمطلوب التعاون بتسليمه أو توفير معلومات عنه. المطلوب تضافر كل الجهود الإقليمية والدولية وإلا تكون الدولة نشاز وغير متعاونة. ونحن لا نفعل ذلك إرضاء لدولة بل ابتغاء حماية مصالحنا وأمننا القومي.

هناك حديث عن أن السودان قام بتسليم مطلوبين لدولهم.. ما هو الإطار المنظم لهذه المسألة؟

هناك قواعد إجراءات.. في إطار تبادل المجرمين صدر قرار دولي يلزم جميع الدول في حالة وجود أشخاص مدان في أي جرائم تتعلق بالإرهاب أو غسل الأموال وإلا فإن الدولة تسلمه أو تكون غير متعاونة في هذا الجانب.

هل تتلقون طلبات لتسليم إرهابيين؟

نتلقى طلبات من دول بعد ذلك المسألة تخضع لإعتبارات، قد تكون الدولة لديها مجرد معلومات بأن هذا الشخص موجود في دولة ما ، وإذا كان موجود يتبع الإجراءات الأمنية والشرطية، وبعد ذلك يتم اتباع الإجراءات المعروفة في التسليم.

هل يشمل ذلك المطلوبين في قضايا مثل الإتجار بالبشر؟

نحن نتحدث عن الإرهاب بكافة أشكاله وأنواعه ومن صوره الإتجار بالبشر والسلاح والمخدرات، لأن هناك علاقة بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

في جانب آخر ما هي الجهود المبذولة لمكافحة تمويل الإرهاب؟

في هذا المستوى السودان ضمن عضويته في منظمة المينا فاتف  (FATF)وهي مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتضم المجموعة 19 دولة عربية وتعنى بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

في العام 2012 جاءت بعثة تقييم دولية كان مرجعياتها الفاتف وكانت لديهم 40 توصية ووجدوا التنفيذ جزئي لكن السودان حسن صورته وصدرت عدة قوانين وقرارات وانشاء الهيئة الفنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن والهيئة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.. ألخ

كل هذه الجهود هل أثرت إيجاباً على التصنيف؟

بالطبع.. جاءت المجموعة نفسها في 2015 للتقييم ومعرفة مدى الإلتزام الفني وجلسوا مع الجهات الفنية ووجدوا مستوى التنفيذ عالي. وصدر قرار في باريس وتم إزالة السودان من القائمة الرمادية وأصبح في وضعه الطبيعي بفضل الإلتزام بالمطلوبات الدولية. بل أن ترتيبنا أصبح متقدم في “الفاتيف” مقارنة بالدول التي مازال عليها رقابة مشددة، فقط مطلوب منا تقرير كل سنتين بمستوى التقدم المحرز.

رغم الجهود التي ذكرتها إلا أن هناك منظمات وجهات تحاول الربط بين السودان والإرهاب؟

الآليات الدولية والإقليمية الآن تتعاون مع الدول بشكل مباشر، وإذا صنفت أي دولة بأنها غير متعاونة فالتقارير ترفع بطرق ملتوية من المنظمات العاملة في هذه المجال. هذه الملفات معنية بها المنظمات الأممية وهناك لجنة العقوبات التي تتبع لمجلس الأمن الدولي..

كيف تنظر لبقاء السودان في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب؟

هذه القضية سياسية في المقام الأول..حتى التقارير الصادرة من وكالة المخابرات الأمريكية تؤكد وجود تعاون كبير مع السودان.. وهناك دوائر كثيرة في واشنطن ترى أنه لاشئ يجعل السودان في هذه القائمة بل إن ذلك قد يضر بجهود المكافحة والمصالح الأمريكية.. وافتكر أن رفع اسم السودان مسألة وقت.