الوساطة الافريقية و مقاربة جديدة للحل عبر “خارطة الطريق”

تقرير (smc)
بعد جمود طويل، تمكنت الوساطة الافريقية من تحقيق إختراق كبير وذلك بالتوصل لوثيقة خارطة الطريق مع القوى التى شاركت فى المشاورات التى جرت فى أديس ابابا خلال الأيام القليلة الماضية.
وقد ظلت الجولات الأخيرة من التفاوض حول المنطقتين ودارفور والتى تجرى تحت رعاية الآلية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة ثامبو أمبيكى، تتعثر باستمرار.
فى 15 فبراير المنصرم، وجهّت الوساطة الأفريقية الدعوة الى كل من الحكومة و قطاع الشمال وحركة تحرير السودان والعدل والمساواة الى جانب حزب الأمة القومى للمشاركة فى ما أطلقت عليه لقاء “للتشاور الاستراتيجى” والذى جرى بين 18-21 من مارس الجارى، ومنذ ذلك الحين، ظلت الساحة السودانية تموج بالتفاعلات فى ظل الإستقطاب الحاد والإنقسامات بين الأطراف المختلفة حول الأجندة، ومن الذى يجب أن يشارك فى ذلك اللقاء.
وبعد ثلاثة أيام من التفاوض الشاق، أعلنت الوساطة الإثنين توقيع وفد الحكومة على وثيقة “خارطة الطريق”، بينما رفضتها الاطراف الأخرى وتركز الخلاف حول مشاركة هذه الاطراف فى الحوار الوطنى وبحث هذه السبل مع آلية الحوار الوطنى والقوى الأخرى الأخر داخل البلاد، كما تختلف الاطراف حول مدى شمول الحوار الجارى حاليا بالخرطوم، فبينما ترى القوى المشاركة فيه إمكانية عرْض ما تم التوصل اليه من نتائج حتى الآن على القوى المقاطعة أو الرافضة من البداية، تصر القوى المعارضة بالخارج على جعل المؤتمر التحضيرى بالخارج أساسا لعملية حوار وطنى جديد.
وهنا، تثور تساؤلات عديدة حول مغزى لقاء “التشاور الإستراتيجى” الذى دعت اليه الوساطة الافريقية مؤخرا، وما إذا كانت وثيقة “خارطة الطريق” التى تقدمت بها الوساطة ستكون حاسما فى تسوية نهاية لملفات المنطقتين ودارفور والقضايا الأخرى وطى صفحة الحرب بالبلاد نهائيا؟.
طرح جديد
وتتعدد التحليلات لهذه الخطوة الأخيرة من قبل الوساطة بطرح لقاءات للتشاور الاستراتيجى بين الاطراف كافة وما اسفرت عنه، ربما الوساطة قد تكون قد وصلت الى نهاية المطاف وأنه من الصعب المضى الى أكثر مما تحقق فى الملف السودانى إذا ما فشل التشاور الاستراتيجى هذه المرة، وأن الجمود الحالى قد يهدد بفشل ما تراكم من جهود طوال السنوات الماضية فى ملف “المنطقتين” ودارفور وبالتالى لابد من التقدم بطرح جديد، أو وضع أطراف التفاوض أمام مسئولياتها، وكذلك ربما الوساطة ستبحث عن مقاربات جديدة حال لم تلتزم الأطراف بتحقيق تسوية ما خلال التشاور الاستراتيجى، ومن هنا جاء التقدم بالأفكار التى وردت فى وثيقة “خارطة الطريق”.
وكانت الدعوة لعقد لقاء “التشاور الاستراتيجى” قد أتت بعد أيام قليلة من فشل آخر جولتين من اللقاءات غير الرسمية بين قطاع الشمال والحكومة فى أديس أبابا وبرلين حول ملف المنطقتين.
رؤى الأطراف
وشهدت أروقة الوساطة الافريقية زهاء أحد عشرة جولة رسمية، بما في ذلك الجولات غير الرسمية، و ظل عملية التفاوض غير مثمرة الى حد كبير.
من جهة أخرى، تسعى بعض أطراف المعارضة- التى تتوزع بين مكونات مدنية وعسكرية -الى توظيف منابر التفاوض لتحقيق مكاسب سياسية من خلال تسخير الزخم الإعلامى الذى يصاحب تلك الجولات، كما تسعى هذه المجموعات الى تأزيم التفاوض مالم يتحقق سقف مطالبها التى ظلت تترفعها وعجزت عن تحقيقها طويلا.
وأما من جانب الحكومة، فهى دخلت التفاوض من منطلق التزاماتها بالمشاركة فى عملية التفاوض ولكن من دون التفريط فى مرجعياتها الثابتة، سواء على صعيد الموقف على دارفور أو المنطقتين.
مرجعيات الحكومة
وخلال كافة الجولات التفاوضية التى جرت تحت رعاية الوساطة الافريقية برئاسة ثامبو امبيكى لم تفلح المحاولات فى ثنى الحكومة للتراجع عن مواقفها التى تقوم على ضرورة نزع اسلحة الفرقتين التاسعة والعاشرة وفك إرتباطها بالجيش الشعبى لدولة جنوب السودان هذا فيما يختص بملف المنطقتين.
وأما بالنسبة لدارفور، فتعتبر الحكومة “وثيقة الدوحة” من المرونة بحيث تسمح بالحاق أى طرف يبدى الرغبة فى الإنضمام لعملية السلام فى أى وقت، وأما القضايا الكبرى التى تشكل أساس الحل الجذرى فقد تمت تسويتها بصورة نهائية فى تلك الوثيقة.
وأيضا من محددات الموقف الحكومى، هو عدم القبول بالتفاوض مع أى حزب سياسي مسجل لدى مجلس الأحزاب والتنظيمات السياسية ويمارس عمله داخل البلاد وفق القانون لمناقشة قضايا يمكن مناقشتها عبر الحوار الوطنى أو من خلال حوارات أو منابر أخرى داخل البلاد، وربما كان هذا أحد أسباب التباعد بين موقف الحكومى والوساطة الافريقية التى تحاول الضغط الحكومة للقبول بالحل الشامل وذلك بدعوة بعض الأحزاب للمشاركة فى التفاوض حول قضايا داخلية أخرى على هامش المنطقتين أو دارفور.
أجندة متضاربة
كما يعزو بعض المراقبين، الفشل فى التفاوض المختلفة الى تصلب مواقف الأطراف، ولكن يبدو أن الأجندة المتضاربة حول التفاوض بين كافة الأطراف عاملا مهما فى هذا الصدد: فمن جهة الطرف الحكومى فهى ترى أن التفاوض يجب أن كون حصرا حول المنطقتين أو دارفور مع مراعاة السقوف الحاكمة للموقف الحكومى، بينما ترى الوساطة أن الحل يجب أن يكون شاملا، بمعنى التفاوض على أساس جديد على مستقبل التسوية فى المنطقتين ودارفور وفق مقاربة (عملية واحدة بمسارين) على أن تُضم القوى المعارضة بالداخل الى تلك التسوية.
وأما القوى المعارضة الأخرى، فهى ترى فى المنبر التفاوضى برعاية الوساطة الافريقية بمثابة طوق نجاة بالنسبة اليها، فهى لا تمتلك أى وزن او مواقف يمكن أن تحقيق مكاسب فى حال تمت التوصل لتلك التسوية حول المنطقتين ودارفور، كما تفتقر الى أدوات الضغط المثمرة تجاه الحكومة والمؤتمر الوطنى وحلفاءه.
وأما فصائل التمرد، فهى ترى أن المنبر التفاوضى يجب أن يخدم مواقفها أو فى أدناه سيرفع الملف الى مجلس الأمن الدولى وهناك ستجد السند من الدول الكبرى الداعمة لها.
رهانات كبيرة
يبدو أن الرهانات التى تتحكم فى مواقف المعارضة خاصة الحركات المتمردة قد تسببت فى إطالة أمد التفاوض حيث ظلت هذه المجموعات تراهن على تدخل خارجى يساعدها على تحقيق أجندتها السياسية التى فشلت فى تحقيقها عبرالعمل العسكرى أو السياسيى، بعد فشل الرهان على العقوبات والحصار الخارجى فى ترجيح كفة الحركات.
فالمجموعات المتمردة ما تزال تراهن على العمل العسكرى رغم فشلها فيه ولحقت بها خسائر ميدانية ساحقة خاصة الفصائل الدارفورية، وأما قطاع الشمال فهو يراهن على الحرب مزهوا بالدعم الخارجى الكبير الذى يتلقاه باستمرار ويتمسك ببقاء قواته كجيش مواز فى عقب أى تسوية يتم التوصل اليها مع الحكومة!!
ويبقى التفاؤل الحذر قائماً، رغم وصول أمبيكى للخرطوم الإسبوع الماضى، وإنخراطه فى سلسلة مشاورات أطلق عليها لقاءات (مكاشفة) شملت رئيس الجمهورية ومساعده المهندس إبراهيم محمود حامد المسئول عن ملف التفاوض فضلا عن لقاءاته مع اللجنة التنسيقية العليا للحوار الوطنى وكذلك تحالف “قوى المستقبل للتغيير” مع ذلك لم يرتفع سقف التوقعات بإحداث إختراق كبير.
وعلى ما يبدو، فان أمبيكى نفسه كان حذرا حول لقاءات المكاشفة التى قام بها، إذ قال إن لقاءات بالخرطوم الإسبوع الماضى كانت “دون وضع أجندة مسبقة لبحث عملية السلام” وهو ما يعنى مقاربة جديدة للوساطة.