اليقظة المُتيقظة .. في الفِكر الطاهائي !

حالة وطن ..

عصام الحسين
خَلَفْ توسُلات إنتاج يقظة مُتكاملة لا مُتنافرة ، ومُتجدِّدة لا مُتحجرة من اليقظة الدينية التي تنتظم العالم الإسلامي الآن ، وعند سؤال كيف نجعل هذه اليقظة مُتيقظة ؟ وقف أستاذ المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق الدكتور طه عبد الرحمن مُستعصِماً بمؤلفه ( العملُ الديني وتجديد العقل ) إسهاماً منه في بيان الشروط التكامُلِية والتجديدية الواجبة لتيقظ هذه اليقظة الدينية . كما أجلى الدكتور طه عبد الرحمن ـ بأطروحته المِفصلية هذه ـ النظر في صِنفين اثنين لحصول التكامُل والتجديد في اليقظة ، هما (التجربة) و(التعَّقُل) .. فلا سبيل لحصول التكامل في اليقظة الإسلامية ـ بحسب المؤلِف ـ إلا بطريقٍ ينفُذ إلى أعماق التجربة الإيمانية ، ويبلغ الغاية في التغلغل فيها .. ولا سبيل لحصول التجديد في اليقظة الإسلامية ـ بحسب المؤلِف ـ بغير التعقُل المبني على التجربة الإيمانية التي تمدنا بأسباب التجديد في الفكر توليداً وترتيباً .
كتاب ( العمل الديني وتجديد العقل ) اشتمل على أبوابٍ ثلاثة خلُصت إلى نتيجةٍ جوهريةٍ وهي أن العقل درجات ، وأن أبلغ الدرجات في العقلانية ما أخذ بالتجربة الإيمانية الحية ، إذ اشتغل المؤلِف في الباب الأول ببيان أن اليقظة الدينية تتطلع إلى التغلب على حدود العقل المُجرَّد (الخاصة) التي تعُوق النظر في الإلهيات كونها تعتمد على الحسي ولا تعتد بالغيبي ؛ وحدوده (العامة) التي تتركب من الحُدود المنطقِية المُستدل عليها بالبراهين الرياضية .. وفي سبيل التغلب على حدود العقل المُجرَّد كشف المؤلِف أن المُمارسة الإسلامية اجتهدت على مستوى (مبدئي) لتوظيف اليقين في المعرفة تطلعاً للخروج عن حد الظن ؛ وعلى مستوى (واقعي) لإدراك الحقيقة الإلهية وبلوغ الغاية في تنزيه الحق عن مماثلة الخلق . إلا أن كمال التطلُّع ـ كما تصورها المؤلِف ـ لا يتأتي بالنظر فحسب إنما يتطلب الإقدار على العمل ، وبفضل العمل تأخذ آفاق العقل المُجرَّد في الانفتاح بما لا تأخذ بدونه ، إلا أنه يلزم أن يكون العمل كما قال طه (عملاً شرعياً) وهو أنفع الأعمال في جلاء الحدود ورفع القيود ، فيرتقي العقل المُجرَّد بالعمل الشرعي إلى رتبة العقل المُسدَّد .
خصص المؤلِف الباب الثاني لبيان علو منزلة العقل المُسدَّد على العقل المُجرَّد ، على الرغم مما طرأ على المُسدَّد من آفتي المُمارسة الفقهية (الخلقية) وهما آفة (التظاهر) التي تتفاوت بين العمل والمقصد وآفة (التقليد) وهي العمل بقول الغير دون دليل ؛ وآفتي المُمارسة السلفية بوصفها المُمارسة السياسية والعقلانية (العملية) وهما آفة (التجديد) الناتجة عن قصر التأمل في النصوص على العقل المُجرَّد وحده ، وآفة (التسييس) وهي تعليق الإصلاح بالجانب السياسي وحده .. كما بيَّن المؤلِف أن هذه الآفات حدَّت من آفاق المُمارسة الفقهية والمُمارسة السلفية ، وخلُص للقول بأن المُمارسة الشرعية الإسلامية اجتهدت في الخروج من آفات العقل المُسدَّد بفرض مزيد من الضوابط على العمل حتى يستوفي تمام شروط الصحة ويستوفي كذلك المقتضى المطلوب دون التقييد بشروط الفعل أو الترك .
خلُص المؤلِف في الباب الثالث إلى القول بأن هناك عقلا مؤيَّدا يتدارك الآفات الخلقية والعملية التي وقعت فيها المُمارسة المُسدَّدة ، ويقوم على التجربة الحية ويتطلب كمالات تحقيقية تأخذ بمبدأ التحقق الأفضل ، وكمالات تخليقية تأخذ بمبدأ التخلق الأكمل ، والذي تختص به المُمارسة الصوفية .
جاء كتاب (العمل الديني وتجديد العقل) مُتنازِلاً عن الآراء المُسبقة والأحكام المُرسلة والافتراضات السائدة .. وبيّن خلاله الدكتور طه عبد الرحمن افتقار اليقظة الدينية ـ على انتشارها في الآفاق وتأثيرها في النفوس ـ إلى السند الفكري المحرَّر ، فاجتهد المؤلِف لتأسيس ما تتطلبه اليقظة الدينية من التجربة الإيمانية التي تقيها آفة التنازع وتؤمِّن لها القُدرة على التكامُل وتحرير الفِكر وفقاً لشروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدّة، فخلص إلى التأسيس للمُمارسة العقلية بمستوياتها الثلاثة : مستوى التجريِّد الذي تختص به الممارسة العملية والممارسة النظرية الإسلامية ، ومستوى التسديِّد الذي تندرج تحته الممارسة الفقهية والممارسة السلفية ، ومستوى التأيِّيد الذي تختص به الممارسة الصوفيّة ، ولم يغفل تفاوت هذه المستويات العقلانيّة وتكميل بعضها للبعض بالتغلُّب على الحدود أو بالتخلُّصِ من الآفات.
وضع الدكتور طه في هذا الكتاب أصولاً فلسفية عملية إسلامية تفتح باب تجديد الفكر الديني وإحياء منتوجاته ، مما يتيح لليقظة الإسلامية الجديدة التزوُّد بأسباب التكامل والتجديد التي تدعمها وتحصنها فتصلُح اليقظة المستيقظة حكماً يُحاسَب به المُتكلِم في شئون العقيدة على مدى انطباق ما يقول على سلوكه ومدى استحقاقه أن يكون قدوة فيما يقول ، خاصةً وأن عالمنا الآن يشهد هدأه جُزئية في الصراع بين المُمارسة السلفية والمُمارسة الصوفية ، وكانوا قبل هذه الهدأة غير متيقظين ، وكان يُحقق المُعتقِد منهم لنفسه أكبر إمكان للتغلب على خصمه بأن ينسب إليه أشنع نقص يُمكن أن يُوَجِّه له في ظروف المواجهة .

تعليقات الفيسبوك