بروتكول المحكمة الأفريقية .. محاذير ودوافع مصادقة السودان  

تقرير: رانيا الأمين (smc)

تباينت الأراء القانونية والتشريعة حول مصادقة السودان على البروتوكول الخاص بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب المعني بإنشاء محكمة أفريقية لحقوق الإنسان والشعوب والذي تم اعتماده من قبل مؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الأفريقية في واجادوجو، ببوركينا فاسو في يونيو 1998. واعاد مؤتمر القضاة الأفارقة بالخرطوم الى الأذهان تحفظات السودان على بروتكول المحكمة الأمر الذي دعا التشريعين والقانونين الإعتكاف على دراسة مستفيضة حول مكاسب السودان من المصادقة على البروتكول ، خاصة وان نصف دول القارة امتنعت عن المصادقة على البروتكول الذي دخل حيز التنفيذ  منذ العام 2004 .

ظل السودان مؤيداً لوجود محكمة خاصة بالقارة الأفريقية الا أن الجدل القانوني لازال قائماً حول المصادقة حيث يبرر الممانعون للمصادقة موقفهم بأن التوقيع على بروتكول المحكمة قد يعود بالسودان الى تكرار تجربة بعض الآليات الحقوقية الدولية مثل محكمة الجنايات الدولية ، بينما يرى المؤيدون للقرار أن المصادقة ستمكن السودان من لعب دور مؤثر في القضايا الداخلية للقارة الأفريقية فضلاً عن انها تسهم في إضعاف المحكمة الجنائية الدولية.

لا شك أن السودان تفوق في مجال حقوق السودان على كثير من الدول الأفريقية ونجد أن السودان ملتزم بحقوق الإنسان وملتزم بالتجنيد في القوات النظامية بما فوق الـ 18 سنة وهو البروتكول الإضافي في قانون حقوق الإنسان الذي يحافظ على حقوق الطفل ويمنع التجنيد القسري للأطفال بينما بعض  الدول ملتزمة بالتجنيد في 15 سنة . وكذلك ظل السودان مرتقياً في  مجال المرأة فهو من الدول القلائل التى لا يوجد فيها عنف ضد النساء انطلاقاً من الموروثات الثقافية والأخلاقية.

يوضح د.احمد المفتي الخبير في القانون الدولي أن للسودان عدداً من المكاسب حيال المصادقة على برتكول المحكمة الأفريقية ، خاصة وان تخوفات السودان من تسيس المحكمة ينتف في المحكمة الافريقية لجهة أنها تعتبر مؤسسة أفريقية والسودان يعتبر من المؤسسين لمنظمة الوحدة الافريقية وكان عضواً في اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان وأضاف من باب أولى ان يصادق على بروتكول المحكمة معتبراً أنها خطوة تأخرت.

ويضيف أن السودان مقر لمحكمة الكوميسا ولدية باع كبير في المحكمة الأفريقية ، وعن تخوفات السودان من تسيس المحكمة يقول المفتي أن هذا الامر من المستحيلات باعتبار أن وزن السودان في القارة الأفريقية يحول دون ذلك ، خاصة وان القارة الافريقية درجت في الآونة الاخيرة على دعم السودان بقوة ، قائلاً : وزن السودان في القارة يمنع المحكمة من أن تُستعمل سياسياً.

وفيما يتعلق بالتخوفات من اساءة استخدام المحكمة قال : ان المعالجة لا تكون بعد المصادقة بل تكون بالمناقشة وفرض الاراء تماشياً مع الإثباتات الدولية ، لذا يمكن أن تتم المصادقة على البرتكول والتحفظ على بعض البنود . وابان أن الثوابت في المحاكم الدولية الإقليمية وظهور السودان في المسرح الدولى بقوة بعد قرار رفع العقوبات الإقتصادية أمر يتطلب أن يشارك في جميع المحافل الدولية.

من خلال النظر الى بروتكول المحكمة نجد أن المحكمة تتلقى الشكاوى أو الطلبات المقدمة إليها إما عن طريق اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أو الدول الأطراف في البروتوكول كما يمكن للمنظمات غير الحكومية التي لها صفة مراقب أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والأفراد والشعوب من الدول التي تكون قد قدمت إعلانا بقبول اختصاص المحكمة أيضا أن ترفع قضاياها مباشرة أمام المحكمة.

ويقول الخبير القانوني عبد الله الصافي أن فكرة المحكمة الأفريقية جاءت نتاج دراسات متراكمة وكتب بعض الأكاديميين لضرورة إنشاء محكمة أفريقية والأمثلة كانت أمامهم في المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في الإتحاد الأوربي ، كانت الأهداف من إنشاء محكمة أفريقية هي بسط الثقافة القانونية المشتركة بين الدول الافريقية وتوثيق الروابط القانونية بين الدول.

وقال أن المحكمة تأسست بعد أن ثبت للدول الأفريقية أن المحكمة الجنائية الدولية تستهدف رموز القارة الأفريقية ، فمثلت المحكمة الأفريقية ترياق للمحكمة الجنائية ومن شأنها أن تستبعد النظرة الإستعمارية عبر الدعاوى المختلفة ” السايسية والإنسانية وغيرها من الدعاوى الغربية”.

وأضاف أن السودان من المؤيدين لفكرة المحكمة الأفريقية لكن لم تزل هنالك بعض الأسباب التى تدعو للتحفظ على المصادقة على البرتكول الخاص بها فمن الناحية النظرية في القانون فان الحق الطبيعي لكل متهم هو ان تتم محاكمته بين أهله ، بجانب ان اي تنازل عن الولاية القانونية لأي دولة أو جهة يعتبر إنتقاص لمبدأ السيادة الدولية مهما كانت الروح متسامحة.

ويضيف لا يوجد مانع في ان تكون المحكمة الافريقية مختصة بالنزاعات السياسية والمدنية والإدارية ، لكن وجود محاكمة جنائية لأي فرد خارج وطنه تخالف النظرية المستقرة ، مضيفاً الدول الأفريقية كسائر الدول تتاثر بمجريات الساحة الدولية فمن كان صديق اليوم قد يصبح عدو الغد . ويقول الصافي لابد من التريث في المصادقة على بروتكول المحكمة وحصرها في الإطاري التجاري والإقتصادي والنزاعات الحدوية وضرورة إبعاد الجانب الجنائي منها.

على الرغم من الدور البارز للسودان في الإتحاد الأفريقي ومساهمته الفاعلة في حل مشاكل القارة الأفريقية ، الا أنه لا توجد ضمانات حول إمكانية أن تحيد المحكمة عن الاهداف التي أنشأت من أجلها ، وبالتالى يمكن أن تصبح ذريعة سياسية بين الدول خاصة وان الإختلافات بين بعض دول القارة لم تزل موجودة ، وقد ينظر الى رفض كثير من دول القارة المصادقة من هذا المنطق خاصة اذا ماتم النظر الى وجود 54 دولة تحت مظلة الإتحاد الأفريقي بينما لم تصادق على بروتكول المحكمة سوي 26 دولة.

يبدو أن المصادقة على برتكول المحكمة أمر يحتاج الى الى درسات مستفيضة من أهل الخبره والرأي بالبلاد لجهة أن الإتفاقيات الدولية تعتبر من الثوابت ، الأمر الذي يحتم على خبراء القانون الرافضين والمؤيدين  لقرار المصادقة تعزيز دفوعاتهم لإتخاذ مثل هذه الخطوة.

 

تعليقات الفيسبوك