بيان الخارجية الأمريكية.. والتحول فى المواقف تجاه السودان

خدمة  (smc)

تفاجأ المراقبون بالبيان الذى صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 20 أكتوبر الجارى ويحث دولة جنوب السودان على الكف عن إيواء ودعم الحركات المتمردة السودانية المسلحة. يحمل البيان فى المواقف المعلنة لواشنطون لاسيما تجاه علاقات السودان وجنوب السودان وكذلك الموقف من وجود معارضة مسلحة ضد السودان ظلت تنشط من أراض  دولة جنوب السودان. فلأول مرة يكون هناك بيان صادر عن إحدى مؤسسات الإدارة الأمريكية يسمى الأمور بمسيماتها.

ووجه المفأجاة أن توقيت صدور ومضمون البيان يبدوان غريبان بالنسبة للمواقف الأمريكية المعتادة تجاه السودان وتجاه النزاع بين الخرطوم وجوبا على وجه التحديد، إذ درجت واشنطون على التحييز فى المواقف والتحامل على السودان وإلتماس الأسباب والمعاذير لحلفاءها فى طوال فترة الخلافات حول “القضايا العالقة” مع دولة جنوب السودان.

لهجة متشددة

حوى بيان الخارجية الأمريكية والذى صدر عن المتحدث الرسمى باسم الوزارة مارك تونر لغة شديدة اللهجة، حيث يقول البيان (تدعو الولايات المتحدة حكومة جمهورية جنوب السودان إلى الإمتثال بالتزاماتها بوقف استضافة او توفير الدعم للمجموعات السودانية المسلحة وفقا لمتطلبات قرار مجلس الأمن الدولى رقم (2046) 2012. ويمضى فى التوضيح اكثر فاكثر (ورغم التزاماتها المنصوص عليها في القانون الدولي ورغم الاتفاقات العديدة بين حكومة جمهورية جنوب السودان وجمهورية السودان لإيقاف مثل هذا الدعم إلا أن تقارير ذات مصداقية ظلت تؤكد أن حكومة جمهورية جنوب السودان مازالت تستضيف ومازالت تقدم الدعم للجماعات المسلحة المعارضة السودانية).

إقرار صريح

ولأول مرة يصل بيان رسمى للخارجية الأمريكية أُس الخلافات بين السودان وجنوب السودان يرقى الى  درجة الإقرار الصريح  بحقيقة وجود “قوات معارضة مسلحة سودانية”، حيث يقول (ندعو قادة حكومة جنوب السودان إلى مضاعفة جهودهم نحو مقابلة الالتزامات التي توصلوا إليها مؤخرا مع السودان والتي وافق فيها الطرفان على إنهاء دعم أى جماعات مسلحة ضد الطرف الآخر . إن وجود قوات معارضة مسلحة سودانية داخل جنوب السودان ومشاركتها في صراع جنوب السودان الداخلي يساهم في زعزعة كل من السودان وجنوب السودان وهذا الأمر يمثل خرقا لنصوص إتفاقية حل الصراع في جنوب السودان. ندعو حكومة جنوب السودان إلى العمل للتأكد من أن الجماعات المعارضة السودانية المسلحة لن تكون في وضع للقيام بعمليات مسلحة داخل جنوب السودان او عبر الحدود داخل السودان).

حذر شديد

تمضى السياسة الأمريكية تجاه السودان نحو التغيير ولكن بحذر شديد، فمن غير المتوقع أن تصل الى مرحلة التطبيع الكامل بين البلدين أو رفع العقوبات كليا، ولكنها ستظل- على الأقل فى الأشهر المتبقية من حقبة إدارة أوباما الحالية- عند نقطة المراوحة، ولكن حتى هذه المراوحة لن تكون فى صالح مجموعات الضغط- خاصة مشروع كفاية- والتى دعت مؤخرا إدارة اوباما الى إنتهاز فرصة الأشهر الأخيرة المتبقة لتجديد العقوبات على السودان. حيث  يشعر بعض الناشطين ومجموعات الضغط المعادية للسودان بأن الأمور تسير فى غير ما يشتهون ويتمنون سواءا داخل واشنطون او فى التحسن المضطرد فى العلاقات بين السودان واروبا وبعض الدول الأروبية المهمة، وإنهيار وإنعدام الخيارات تجاه السودان بعد فشل كافة السياسات القديمة التى أتبعت ضده فى الماضى.

أسباب التغيير

إن التغيير فى مواقف ولهجة واشنطون تجاه السودان لاسيما يعود الى عدة عوامل منها على سبيل المثال:أولا، العجز والتراجع فى مكانة وقدرة واشنطون فى التأثير على مجريات الأوضاع فى العديد من مناطق العالم كالنزاع فى جنوب السودان، وكذلك ممارسة النفوذ على  الآخرين بشكل أقوى.

ثانيا، إن الكارثة التى يعيشها جنوب السودان حاليا هى كارثة أمريكية بامتياز، إذ لعبت واشنطون- المؤسسات الرسمية واللوبيات- أدوارا كبيرة فى فصل الجنوب وصناعة دولة “ما بعد دولة فاشلة” لم تلبث ان انزلقت  فى حرب أهلية ضارية أوصلت الشعب الجنوبى الى حافة “رواندا أخرى”.

ثالثا، فشل وضعف الآليات التى قامت عليها السياسة الأمريكية تجاه السودان من قبيل فرض العقوبات والمقاطعة والحصار ودعم المعارضة المسلحة فى تحقيق  أهدافها.

رابعا، الخوف من  تعزيز السودان لعلاقاته مع بكين وموسكو ودول أخرى، حيث التنافس مع النفوذ الصينى والروسى فى وقت يتمتع السودان بعلاقات متميزة مع كليهما ما يعنى إجهاض النفوذ والتأثير الأمريكيين.

رابعا، الإقرار الضمنى بالتضليل الذى مارسته اللوبيات ومجموعات الضغط التى دفعت الإدرات الأمريكية الى تبنى مواقف متنطعة لم تؤد الا نتائج عسكية.

خامسا، بهذا البيان تحاول واشنطون تليين مواقف السودان وإستدراجه للمشاركة فى قوات الحماية الإقليمية التى تحاول واشنطون والأمم المتحدة دعم جهود المنظمة الإقليمية لإقناع دول الجوار للمشاركة فيها.

دورالسودان

فماذا يعنى مطالبة واشنطون حكومة جنوب السودان بالنسبة للطرف الثالث-وهو المجموعات السودانية المتمردة فى جنوب السودان- فى معادلة الخلافات بين السودان وجنوب السودان؟ وماهى خيارات حكومة جوبا وحلفاءها من المتمردين السودانية؟

تبدو واشنطون مدفوعة بالمخاوف والتداعيات المتوقعة من التصعيد المتوقع فى الصراع المسلح بين حلفاءها السابقين فى الحركة الشعبية/ الجيش الشعبى سلفاكير من جهة ورياك مشار من الجهة الأخرى، وترى الداوئر الأمريكية ان االتصعيد بين المتحاربين فى الدولة  الجديدة سيتخذ عدة سيناريوهات سيكون السودان عاملا حاسما  فى اى منها:

أولها سيناريو تركز الإقتتال فى ولايتى الوحدة وأعالى المحاذيتين للسودان تهدف واشنطون لضمان حياد السودان وربما تنتابها مخاوف من دعم السودان للمعارضة بقيادة مشار وترجيج كفة الميزان لصالح الأخير، ما يعنى إطالة أمد النزاع حيث لن تقبل حكومة جوبا خسارة السيطرة على مناطق النفط وهو المورد الوحيد لموازنتها العامة.

ثانيها، التداعيات الكارثية والإنسانية لتوسع نطاق ومدى الصراع المسلح بين الأطراف بجنوب السودان، وفى هذه الحالة سوف يكون السودان هو المعبر الوحيد “الآمن” لإدخال المساعدات الإنسانية للمتضررين.

ثالث السيناريوهات: إنهيار الدولة الوليدة وإنزلاقها فى أتون “النموذج الرواندى” مما يضطر السودان للتدخل ضد المجموعات المتمردة التى تقاتل ضده وتقاتل الى جانب حكومة بقيادة سلفاكير. وفى حال ذلك سوف يقع عبء ثقيل على  واشنطون العاجزة عن فعل شئ.

مسئولين سابقين

إن التغيير فى المواقف الأمريكية تجاه السودان، إنما أملته- بجانب العوامل المذكورة أعلاه-مواقف عديدة أخرى أتت من مسئولين سابقين. ففى مايو المنصرم وجّه غيرارد غالوشى القائم باعمال السفارة الأمريكة بالخرطوم بين (2003-2004) فى مقال نشره مركز “تحويل الصراعات” أعنف نقد يصدر من مسئول سابق رفيع لسياسيات بلاده تجاه السودان لاسيما سياسة دعم الحركات المتمردة فى السودان، متهما دوائر داخل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بأن خلال الفترة الإنتقالية التى أعقبت توقيع إتفاقية نيفاشا العام2005 “كان هدفهم تغيير النظام بدلا من الحل السلمي للنزاع”. كما قال ايضا إن “تفكيك وتجزئة السودان بمساعدة وإغراء من قبل الولايات المتحدة يمكن النظر إليه باعتباره تدخلا خارجيا آخر سيئ التصور فى نزاع داخلي باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان”.

وأنتقد غالوشي –أيضا- الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يو أس أيد) والتى استخدمت كأداة لتحقيق أجندة واشنطون السياسية لأنها “أصبحت مهتمة بإرسال المساعدات الى دارفور فقط عندما صارت قضية أخرى ضد الحكومة” حيث أن تيارات داخل الوكالة الأمريكية كانت “تنظر الى دارفور كسبيل آخر لإضعاف الحكومة وشجعت المتمردين على الحزم والصرامة” فى رفض التفاوض لوضع حل للنزاع المسلح بدارفور.