«جسور» التجارة العربية – الأفريقية

محمد المختار الفال

الأربعاء، ٢٥ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧

< العلاقة العربية - الأفريقية عريقة عميقة ممتدة الجذور في التاريخ، والحديث عن فوائدها وأهميتها صدرت عنه الأبحاث والدراسات والتقارير المتنوعة، رسمت معالم القواسم المشتركة بين هذين الإقليمين وتكاملهما في شتى المجالات، وشهدت العقود الأخيرة الكثير من المؤتمرات والندوات والمعارض وورش العمل التي تبحث مزايا التعاون وصيغ تطوير العلاقات الثنائية والجماعية، واستعرض المعنيون بالقضايا الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية مكونات الترابط بين أفريقيا والعالم العربي، كل من زاوية رؤيته وترتيب الأولويات والاختصاصات، لكن الكل «مجمع» على أن التعاون العربي - الأفريقي لم يبلغ المدى المكافئ لأهميته للجانبين. وآن الأوان أن يدرك الجميع أن مد الجسور مع أفريقيا –جنوب الصحراء- وتقويتها وتفعيل دورها وزيادة تأثيرها مهم للأمن العربي، بمفهومه العام، كما هو حاجة ماسة لأفريقيا، في حاضرها ومستقبلها، فهو يساعدها في معالجة العديد من همومها ومشكلاتها، ويسهم في تنفيذ خطط وبرامج دولها ومجتمعاتنا التنموية، وكلها قضايا تصب في مصلحة جميع الأطراف، وأن إدراك هذه الأهمية يستدعي أن تتضافر الجهود لترجمته إلى خطوات عملية تستثمر الرغبة في تعظيم فوائد الشراكة الاستراتيجية بين الإقليمين. أفريقيا السمراء امتداد عضوي للكتلة العربية، بحكم الجغرافيا ومتداخلة معها في نسيجها البشري وشبكة مكونها الثقافي بتقاليده وقيمه وأعرافه، وهي الشريك القريب في المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية، كما هي «الثروة» في المياه والأراضي الزراعية الخصبة والمعادن الوفيرة والأيدي العاملة قليلة الكلفة، مقارنة بغيرها، وهي سوق ضخمة متنامية تتسع طاقة استيعابها لمنتجات العالم كل عام، سوق تتيح المجال العريض لرأس المال العربي ليسهم في تنمية القارة وتحقيق المكاسب وتوسيع دائرة نشاطه وبناء شراكات تحميه من التقلبات المتغيرة، فمشاريع التنمية في دول المجموعة لا تزال في حاجة إلى «كل شيء»، من مياه الشرب النقية، على رغم تدفق الأنهار والأمطار الاستوائية طوال العام، إلى إنارة المدن والقرى واستخراج المعادن واختراق الصحارى والغابات بالطرق الممهدة وتحسين الإنتاج الزراعي وإنشاء البنية التحية وتطوير المؤسسات المالية والنظام المصرفي وتحسين البيئة التشريعية الضامنة والمشجعة على الاستثمار الأجنبي وتنشيط التجارة وتوسيع دائرة المنافع المتبادلة مع العالم وهي، في الوقت نفسه، تحتاج إلى العون في قطاعات التعليم والصحة والتدريب وتمكين الفئات المهمشة في المجتمعات كالمرأة والشباب. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الدول العربية، بدرجات متفاوتة، قدمت الدعم منذ وقت مبكر لمشاريع التنمية في الدول والمجتمعات الافريقية وأسهم القطاع الخاص والأهلي في هذا التوجه بما هو معروف مشاهد، لكن لا تزال الحاجات وفرص تبادل المنافع تقتضي المزيد من الاهتمام. وقد سرني أن المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة -عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية– تبنت مشروعاً رائداً بالغ الأهمية يهدف إلى تنشيط التجارة وتفعيل اتفاقات التعاون بين المجموعة العربية والدول الافريقية جنوب الصحراء، فالمشروع، الذي ينطلق من العاصمة المغربية في الـ22 من شباط (فبراير) 2017 تحت رعاية الملك محمد السادس وبحضور رؤساء ووزراء ورجال وسيدات أعمال ومستثمرين من الجانبين إلى جانب كبريات مؤسسات التمويل والتنمية الدولية، سيكون له أثره الكبير إذا أعطي ما يستحقه من الاهتمام والرعاية، فهو يستند، في رؤيته ومهمته، إلى ثراء وعمق العلاقات التاريخية والثقافية والتجارية بين المجموعتين العربية - الأفريقية، ويسعى لإحياء فرص التعاون والعمل على تعظيم العائدات وإزالة الحواجز الطبيعية والمصطنعة. وتشير دراسة أعدها مركز التجارة الدولي إلى أن صادرات 19 دولة عربية بلغت 1.6 تريليون دولار خلال خمس سنوات (2011 -2015)، بينما كانت صادرات 22 دولة أفريقية جنوب الصحراء في حدود 0.16 تيريليون دولار، وهذه الأرقام تشير إلى أن المجموعتين، العربية والافريقية، لديهما فرص كبرى لزيادة الصادرات والواردات بينهما، وأن تحقيق هذا «الهدف» يحتاج إلى رؤية مشتركة والعمل على توفير آليات نجاحها، ومن هنا تأتي أهمية خطوة المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة الهادفة إلى «تجسير» المسافة بين هذه المجموعة للاستفادة من الفرص غير المستغلة وبناء شراكة تجارية جديدة تسهم في تقوية وزيادة فعالية العلاقات الحالية، كما يهدف المشروع إلى تحسين بيئة التبادل التجاري والاستثمار بين الإقليمين وزيادة الوعي بأهمية التعاون ودعم المؤسسات العاملة في قطاع التجارة والتأمين على الصادرات بين الدول الأعضاء في مجموعة البنك الإسلامي للتنمية. ومنتدى «جسور التجارة العربية - الافريقية» صمم ليكون قادراً على مواجهة التحديات واستغلال الفرص وتحقيق مجموعة من الأهداف الداعمة للعلاقات العربية - الافريقية مثل التوعية بأهمية تنشيط وانسياب التبادل التجاري بينهما ودعم مؤسسات تمويل التجارة وضمان الصادرات وتمكين القدرات البشرية في هذا المجال وتوفير المعلومات من خلال تأسيس شبكة للتجارة الإلكترونية تقدم خدمة التواصل وتسهل التعارف بين العاملين في المجالات التجارية والصناعية والاستثمارية وتمكنهم من عرض منتجاتهم والبحث عن شركاء مصالح في كل دول الإقليمين، إلى جانب دعم فرص التصدير وضمان وائتمان الصادرات. ولا شك في أن تفهم الشركاء الحقيقيين والمحتملين لأهمية هذا النوع من المشاريع ودعمهم وتوفير البيئات القانونية والتنظيمية وإزالة الحواجز البيروقراطية والاهتمام بوسائط النقل ووسائل الاتصال الحديثة سيتخلص من «الرتابة» وبطء الحركة التي تواجه التجارة البينية بين الإقليمين ويساعد في تجاوز مرحلة «الشكوى» التي ظلت مسموعة لعقود من دون أن تقدم حلولاً عملية تخرج التعاون العربي - الافريقي من حال «عدم الرضا»، التي تغلب على نظرة الجميع، إلى واقع جديد يتسلح بالعزيمة الصادقة والتخطيط السليم والتنفيذ العملي الناجع. المهمة ليست سهلة لكنها ليست صعبة، والإقدام على تبني المشروع يؤكد النوايا الصادقة والعزم القوي على تحريك الطاقات وتحفيز الهمم ودعوة كل الشركاء إلى استغلال الفرصة من أجل مصلحة الجميع. * كاتب سعودي. mohalfal@ المصدر: (الحياة)