د سلمان: المصريون لا يتحدثون بصوت واحد حول ملف سد النهضة (حوار)

د. سلمان محمد سلمان الخبير الدولي في المياه:

الطريق ممهد لعودة التفاوض وفق الأسس السابقة للخلافات الأخيرة

مسألة المياه الدولية لا تدار بالتصريحات النارية والهتافات والإتهامات

مصر اعترفت بسد النهضة وقضيتها الوحيدة هي فترة ملء البحيرة

لا أعتقد أن خلافات المياه ستصل مرحلة الحروب ومعظم الدول تلجأ للتعاون

خبراء السودان في المياه مميزون  ويمكن أن يلعبوا دوراً كبيرا في قضايا السد

الحديث عن إعادة حفر قناة جونقلي مبالغ فيه

حوار: عبد الله بشير (smc)

ما زالت المناقشات بين السودان ومصر وإثيوبيا حول ملف سد النهضة تراوح مكانها، رغم إتفاق الدول الثلاث على مبدأ التعاون وصولاً إلى تفاهمات تضع في الإعتبار مصلحة شعوبها.. ومؤخراً قامت وسائل الإعلام المصرية بحملة شعواء ضد السودان بسبب مواقفه الموضوعية حول كثير من المسائل.. المركز السوداني للخدمات الصحفية إلتقي الخبير الدولي في شؤون المياه د. سلمان محمد أحمد سلمان لتوضيح كثير من الحقائق الغائبة وشرح الجوانب الفنية المتصلة بموقف السودان من سد النهضة، وتطرق اللقاء لحقوق السودان المائية في اتفاقية 1959م وكيفية الإستفادة منها كاملة.

كيف تنظر إلى تأثير التفاهمات الأخيرة بين رؤساء السودان ومصر وإثيوبيا على مناقشات سد النهضة؟

اهمية اللقاء تأتي من عدة زوايا، أولها قبل اللقاء كان هناك تسريبات أن مصر اقترحت على أثيوبيا استبعاد السودان من المناقشات حول سد النهضة، وأن تكون المفاوضات ثنائية بين الدولتين، هذا الأمر بالطبع غير ممكن من النواحي العملية والقانونية. وأعتقد أن أول نتيجة لهذا اللقاء أنه لم يعد هناك حديث عن استبعاد السودان بعد أن نفت مصر أن تكون قد تقدمت بهذا الطلب، وهو ما أزال الغموض والإلتباس وأعاد الأمور إلى وضعها الطبيعي بما يمكن من عودة التفاوض بنفس الأسس التي بدأ بها، وفق إعلان المبادئ الموقع بين الرؤساء الثلاث في مارس 2015م.

الأمر الثاني كان حديث عن طلب مصر لوجود دور للبنك الدولي كوسيط وهو الأمر الذي رفضه السودان وإثيوبيا، وبالتالي نتج عن لقاء الرؤساء الثلاث عودة التفاوض بنفس الأسس والمحاور التي كانت قبل الخلافات الأخيرة، والتي تم الإتفاق أن تحل عن طريق التفاوض والنقاش دون تدخل طرف آخر ودون استبعاد لأي طرف.

لكن عند تقديم التقرير الإستهلالي للمكتب الإستشاري، مصر اعتبرت أن موقف إثيوبيا والسودان خرج عن سياق الإتفاقيات، كيف تنظر إلى هذا الجانب؟

التقرير الإستهلالي للشركتين الفرنسيتين أثار أسئلة وقضايا كثيرة لم تكن الدول الثلاث قد تطرقت إليها، مثلاً إذا كانت الشركتان ستقومان بدراسات عن المضار التي قد تحدث ما هي قاعدة البيانات التي تستند عليها؟.. مصر كانت ترى أن يتم الإستناد على أستخدامات مصر الحالية للمياه، بينما استند السودان على إتفاقية 1959م، أما إثيوبيا فترى أنها ليست طرفاً في هذه الإتفاقية ولا تعنيها ولا تعترف بها. وبالتالي أصبحت هناك ثلاثة آراء وهو ما أوجد الخلاف.

الأرقام الموجودة في إتفاقية 1959م تقول أن مياه النيل المقاسة في أسوان تبلغ 84 مليار متر مكعب منها 10 مليار تتبخر في بحيرة السد، تبقى 74 مليار متر مكعب نصيب مصر 55.5 مليار والسودان 18.5 مليار لم يستخدم منها 6.5 مليار على مدى الخمسين عام الماضية. والسودان يستند على قاعدة الإتفاقية، بينما مصر تتحدث عن الإستخدامات القائمة. وهذا الخلاف جعل الإجتماع الذي عقد القاهرة في نوفمبر ينفض دون الوصول لاتفاق واصدار بيان ولم يتم حتى الإتفاق على موعد الإجتماع القادم.

ماهي قراءتك لاتجاهات الموقف المصري الذي انتقل من رفض قيام السد إلى التوقيع على اتفاق المبادئ ثم اثارة الخلاف حول إطار المناقشات؟

المشكلة الوحيدة لمصر هي فترة ملء بحيرة السد والتي تبلغ سعتها 74 مليار متر مكعب من المياه، وهذا ما قاله الخبراء المصريون أنفسهم، فكلما طالت فترة ملء البححيرة قلت التأثيرات على مصر والسودان.

اتفاق إعلان المبادئ وقع عليه الرئيس السيسي فيه اعتراف مصري بقيام سد النهضة وأنه ليس له مضار، لكن رغم ذلك دائما ما تحدث حالة من الأرتباك ونجد أن الموجة هناك تنخفض وتعلو ضد السد. ورغم صدور تصريحات إيجابية من الرئيس السيسي في قمة أديس أبابا وحديثه عن ضرورة التعاون في جميع المجالات، لكن المشكلة أن مصر لا تتحدث بصوت واحد.

هناك من يفسر التصعيد المصري في حلايب والحشود على حدود السودان الشرقية بأنه إشارة لحرب مياه محتملة في المنطقة؟

أنا عملت في مجال المياه في البنك الدولي لمدة (20) عاماً، والفلسفة التي يستند إليها خبراء المياه أن المياه لا تدار إلا بالتعاون الذي يعود بلكثير من المنافع. هناك أكثر من 300 نهر  و 300 خزان جوفي و150 بحيرة تشترك في إدارتها دولتان أو أكثر.

في نهر النيل هناك مجالات كبيرة للتعاون، بحيرة فكتوريا مثلاً فيها ثروة سمكية ضخمة يمكن أن تنمى لمصلحة الدول. وهناك أراضي زراعية شاسعة افي السودان يمكن أن تروى بمياه النيل، بالأضافة إلى الطاقة الكهربائية المولدة في اثيوبيا من نهر النيل. وبموجب الدراسات التي أجريت في الستينات يمكن توليد 30 ألف ميغاواط  وإذا تم تحديث هذه الدراسات يمكن أن يرتفع الرقم إلى 40 ألف ميغاواط.بالنسبة لسد النهضة تم تحديث الدراسات وإدخال تقانات جديدة والآن يتم الحديث انتاج عن 6450 ميغاواط بدلاً عن 6 ألف. مصر كذلك لديها إمكانات صناعية متقدمة ويمكن تصنيع الثروة السمكية التي تأتيها من فكتوريا أو الزراعية من السودان.

هناك حديث عن حروب المياه بسبب الخلافات بين دول العالم، لكن لا أعتقد أن هذه الخلافات ستصل إلى مرحلة الحروب لأنها مكلفة ومدمرة ولن تؤدي إلى نتيجة، ومعظم الدول حالياً لجأت إلى التعاون وهناك عشرات الإتفاقات الموقعة بينها في توليد الكهرباء والأسماك والري ومياه الشرب ووقف الفيضانات وغيرها.

ونذكر أن إثيوبيا عندما غيرت مجري النيل تحدث المصريون عن ضرب سد النهضة في الإجتماع الذي كان مذاعاً على الهواء، لكنني متأكد أن الرسالة التي ذهبت لمصر من الدول الكبرى أنهم لن يقبلوا دخول مصر في أي حرب.

من واقع خبرتك العملية هل يمكن تطبيق تجارب لدول تعاونت في إنشاء السدود على ملف سد النهضة؟

هناك دول كثيرة تشاركت في بناء سدود لفوائد المجتمع، هناك نهر الدانوب الذي تتشاركه 16 دولة ويعتبر من أنظف الأنهار ولا توجد به مشاكل بيئية كما أن المياه توزع والكهرباء وتوزع بين دوله بانتظام والمسائل تدار بواسطة لجنة  فنية مشتركة، وهو ما ينطبق على دول إعلان السنغال التي تضم  السنغال ومالي وموريتانيا وغينيا، حيث قامت بالتوقيع على إتفاقيات وقامت ببناء سدين هما مننتالي وادايما… وهناك سد ايتاي بو الذي تعاونت في بنائه البرازيل وباراغواي ويولد 22 ألف ميغا واط من الكهرباء التي تكفي حاجة البلدين ويتم تصدير الفائض.. وهناك نهر كلورادو الذي يدار بين الولايات المتحدة والمكسيك، وهناك مجموعة أنهار بين كندا والولايات المتحدة تدار بنفس الطريقة.

أنا في تصوري أن سد النهضة كان يجب أن يكون سد مشترك في الإدارة والتمويل والمنافع، وهذا ما عرضته إثيوبيا على السودان ومصر ولكن البلدين تجاهلا الطلب.. وقبل أشهر مصر حاولت فتح هذا الباب لكن اثيوبيا قالت إن الوقت قد تأخر يعد إكتمال بناء 65% من السد.

التقرير الاستهلالي أثار مسألة نصيب السودان من المياه الذي يذهب لمصر، برأيك كيف يمكن أن ينظم السودان المسألة قانونيا للحفاظ على حقوقه؟

اعتقد أن مياه النيل واحدة من أكثر المسائل التي فشلنا في معالجتها، السودان قدم لمصر تنازلات ضخمة لم تقدمها أي دولة من قبل.. تنازلنا عن منطقة حلفا و27 من قراها حتى يقوم السد العالي وبحيرته التي تمتد 150 كيلومتر داخل السودان. وتم ترحيل 50 ألف قسراً إلى منطقة خشم القربة. وهناك 200 ألف فدان أرض خصبة ترقد تحت البحيرة وهناك اراضي أخرى كان يمكن استصلاحها، أضافة إلى كمية ضخمة من الإثار التي غمرتها مياه البحيرة وكميات من المعادن التي تشمل الحديد والذهب. الشلال الثاني الذي إندثر تحت البحيرة كان يمكن أن يولد طاقة كهربائية.

كل هذه تنازات قدمناها لنحصل على 18.5 مليار متر مكعب من المياه، ومنذ أن تم توقيع الإتفاقية لم يستخدم السودان أكثر من 12 مليار بينما تذهب 6.5 مليار إلى مصر، أعتقد أن هذا فشل كل الحكومات مسؤولة عنه منذ حكومة الأزهري الأولى التي وافقت على ترحيل أهالي حلفا في أبريل 1955 وكان التعويض فقط 15 مليون جنيه مصري في حين أن التكلفة المباشرة كانت حوالي 40 مليون.. أعتقد اننا نحتاج نضع جهدنا وفكرنا بواسطة كل خبراءنا  لتصحيح هذا الخطأ التاريخي والإستفادة من كل مياهنا.

أعلن السودان مؤخراً أنه سيتقدم بمقترح ليكون مسار سد النهضة سالكاً، فإلى أي مدى يمكن أن يلعب السودان دوراً للوصول إلى تفاهمات بين الدول الثلاث؟

أنا أعتقد أن مجموعة الخبراء السودانيين في وزارة الري وتحديداً التي تعمل في ملف سد النهضة تعتبر من أميز خبراء المياه في العالم، والسودان بهذه الكفاءات يمكن أن يلعب دوراً كبيرا في مسألة السد. وأشير هنا إلى أن اتفاقية إعلان المبادئ تم صياغتها إلى حد كبير في وزارة الري السودانية. ومصر ستحتاج إلى السودان وهؤلاء الخبراء لمعاونتها، واثيوبيا أيضا تحتاج إلى السودان في إطار العلاقة الطيبة التي تجمع البلدين.

قيام سد النهضة والمخاوف من نقص الحصص جعل مصر تتحدث عن قضية البدائل.. هل يمكن ان تكون هذه البدائل حلاً للمشكلة ؟

مصر عندما وقعت على اتفاقية مياه النيل سنة 1959 كان عدد سكانها 25 مليون وحاليا عدد سكانها 100 مليون فهي تحتاج إلى ترشيد استخدامات المياه لأنها تفتقد إلى ذلك، وأن تقرر اي نوع من المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه تحتاج إلى زراعتها. وويجب على مصر ان تنظر إلى بدائل أخرى من خلال تحلية مياه البحر الأحمر والمتوسط والنظر لاستخدمات المياه الجوفية.

في أثيوبيا مثلاً استخدامات مياه النيل للكهرباء فالمياه تستخدم وترجع للنيل مرة أخرى فهي ليس استخدمات استهلاكية كما هو في الزراعة. وهذا يشير إلى عدم تضرر مصر والسودان.. عند الحديث عن مياه النيل في مصر نجد أن الجانب السياسي يطغى على الجانب الفني وأنا اعتقد أن هناك تهريج سياسي أكثر من وجود حديث علمي في هذا الجانب.

مصر في إطار خياراتها المطروحة أعلنت إحياء العمل في قناة جونقلي في جنوب السودان،هل ترى أن هناك جدوى لذلك؟

في 1976 بدأ العمل في القناة بواسطة شركة فرنسية، والسؤال المحير لي بالنسبة كباحث هو لماذا تبني السودان حفر القناة وصرف 200 مليون دولار للحصول على 3 مليار متر مكعب في حين أن لدينا 6.5 مليار لا نقوم باستخدامها؟.

قناة جونقلي أمرها معقد جداً والحديث عن العودة لحفر القناة بواسطة شركة جديدة مبالغ فيه، لأن المواطنون في المنطقة ظلوا يرفضون قيام القناة وقاموا بتظاهرات وقتل عدد منهم. وحكومة نميري لم تستطع اقناعهم ببدء العمل فيها إلا بعد تقديم مجموعة من المشاريع ولكنها فشلت في تنفيذ أي من المشاريع لذلك الحركة الشعبية اشارت لهذا الإتفاق عندما قامت بضرب القناة عام 1983.  والقبائل في المنطقة تنظر للقناة على انها شئ مضر بالنسبة لها لأنها تمنع حركة المواشي ويتحدثون عن تأثيرات بيئية في تقليل الأمطار. كما أن منطقة المستنقعات اصبحت ذات أهمية عالمية بعد أن ان تم اعلانها منطقة ايكلوجية، لذلك لا أعتقد أن المسألة ستكون بهذه السهولة.

هل هناك رسائل تؤيد توجيهها لبريد الدول الثلاثة في ختام هذا اللقاء؟

كما ذكرت الفلسفة التي يتبناها البنك الدولي وخبراء المياه في العالم أن مسألة المياه الدولية لا تدار إلا بالتعاون، فالتصريحات النارية والهتافات والإتهامات لا تجدي.. كلمة تعاون ذكرت حوالي 6 أو 7 مرات في اتفاق إعلان المبادئ والمطلوب هو التعاون الجاد وبحسن نية.

بالنسبة لنا في السودان نحتاج إلى دراسات وعمل بسرعة للاستفادة من نصيبنا غير المستخدم في مياه النيل والبالغ  6.5 مليار كما نحتاج إلى تدريب أجيال جديدة في مجال المياه.