د. عبيد الله: لابد أن تنهي واشنطن عهد المبعوثين الخاصين- حوار

الجنائية لم تعد ملفاً يشغل السودان وحده بعد أن كثر استهدافها للأفارقة

الأجهزة الرسمية تتعامل مع مشكلات السودانيين بمصر وفي الغالب يتم حلها

الجنائية لم تعد ملفاً يشغل السودان وحده بعد أن كثر استهدافها للأفارقة

العلاقات جيدة جداً مع يوغندا واللجان المشتركة ستجتمع في القريب العاجل

 

حوار: وداد محمد على (smc)

شهد السودان في الآونة الأخيرة انفتاحاً كبيراً في علاقاته الخارجية، التي توسعت على الصعيد الإقليمي ووصلت إلى دول آسيا وأوربا وأمريكا اللاتينية. فالسودان بات يلعب دوراً كبيراً في قضايا إقليمية مثل الأزمة في جنوب السودان، ودولية مثل مكافحة ظواهر التطرف وتهريب البشر التي يتعاون فيها مع دول الجوار وأوربا.

وللوقوف على ملامح سياسات السودان الخارجية خلال المرحلة الحالية، استنطق المركز السوداني للخدمات الصحفية د. عبيد الله محمد عبيد الله وزير الدولة بوزارة الخارجية، وتركز الحديث حول تعقيدات المشهد في جنوب السودان وموقف السودان مما يجري هناك إلى جانب عدد من القضايا والملفات المتصلة بعمل الخارجية السودانية.

هل أنتم راضون عن مستوى العلاقات مع الدول الأوربية؟

نحن طبعاً نحترم العلاقة بين السودان والمجموعة الأوربية، وهنالك علاقة بين السودان ومؤسسة الإتحاد الأوربية قائمة على الاحترام المتبادل، وقبل عدة ايام تم وداع السفير توماس سفير الإتحاد الأوربي بالسودان وقد منحه فخامة السيد رئيس الجمهورية وسام النيلين تكريماً وتقديراً لجهوده التي بذلها في السودان. وهذا التكريم يعد تكريماً للإتحاد الأوربي وللمؤسسة وهذا ما فهمه السفير توماس خلال عملية الإحتفاء.

مهاجرون-هجرة- غير شرعيةإذن ما أوجه التعاون بين الطرفين؟

العلاقات بالدول الأوربية جيدة.. ونحن نرجو أن تمضي في إتجاه التحسن مستقبلاً، لأن أوربا بحاجة إلى السودان وهو بحاجة لها، وهذا كان واضح جلياً من خلال المعاملات الأخيرة، فقد لجأت أوربا إلى السودان للتعاون معها في كثير من الملفات المطروحة في الساحة، فقد أبدت رغبتها في التعاون مع السودان في مسألة محاربة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر التي تعاني من تبعاتها، وكذلك مكافحة التطرف والإرهاب والمخدرات وقضايا حقوق الإنسان، وهناك الكثير من الموضوعات المشتركة بين السودان والدول الأوربية وتجد الآن اهتماماً وتفاهماً بين الطرفين. اضف إلى ذلك هنالك اجتماعات لجان تشاور سياسي بين السودان وعدد من الدول الأوربية عقدت هذا العام ممثلة في ايطاليا، فرنسا، سويسرا، المانيا وغيرها وهذه مؤشرات تدل على إمكانية إيجاد فرص بين السودان والدول الأوربية.

كيف تنظرون للإنتقادات التي وجهت للدول الأوربية في تعاونها مع السودان في الملفات التي ذكرتها؟

أحياناً تبدو الانتقادات غير موضوعية وتفتقد للمنطق لأن السودان ليس وحده قطعاً هو المتأثر بالهجرة غير الشرعية وهو يعتبر دولة ممر، لكن دول الإقليم قاطبة في القرن الأفريقي وشرق أفريقي والجنوب الأفريقي كلها باتت تتأثر بالعملية، ولكن أوربا هي الأكثر تأثراً بهذه الهجرة غير الشرعية وقد شاركت أنا شخصياً في مؤتمر حوار الحضارات التي تنظمه الأمم المتحدة في باكو قبل أشهر عديدة وسمعت لبعض المتحدثين الأوربيين الذين اعترفوا صراحة بأثر الهجرة عليهم في أوربا وأنهم السبب الأساسي في هذه الظاهرة. ومن خلال مداخلات المسؤولين الأوربيين ومشاركتهم في هذه الندوة اعترفوا بأن اوربا أو الغرب بصورة عامة يجب أن يتحمل جزءا من أسباب هذه الهجرة.

كيف كان الغرب سببا أساسيا في الظاهرة؟

لأن حالة عدم الإستقرار في سوريا والعراق وما أوصل شعوب هذه المنطقة إلى هذه الحالة كان نتيجة لسياسات وتدخل غربي أدى لإنهيار هذه الدول وإجبار مواطنيها وأهلها على الهجرة، ولم يكن هناك خيار متاح غير أوربا، وبالتالي وجدت أوربا نفسها أمام واقع لعبت دوراً في خلقه.. كانت هذه اعترافات من أشخاص واجهوا الحقيقة ووجهوا الخطاب لأوربا نفسها لأن تتحمل تبعات سياساتها الخارجية غير الحكيمة، وبالتالي أوربا الآن محتاجة للسودان وغيره أثيوبيا ومصر ودول المعبر. ونحن من جانبنا أبدينا استعدادنا للتعاون وقد تعاونا بالفعل لأننا نتأثر من هذه الظاهرة.

اوباماما هو تقييمكم للعلاقات مع الولايات المتحدة في حقبة أوباما التي شارفت على نهايتها؟

كان يحدونا الأمل ولازال أن يستفيد السودان من حقبة أوباما التي وعد فيها بإحداث تغيير كبير في السياسة الخارجية تجاه السودان. وبطبيعة الحال كان هنالك دول بعينها كانت هي المعنية بالسياسة الخارجية على رأسها ما يسمى بدول محور الشر من قبل إيران، كوبا والسودان وغيرها. وللأسف الشديد طبعاً استطاعت دول مثل إيران وكوبا أن تصل إلى تسوية وتفاهمات انتهت ببارقة أمل في أن تعود العلاقة لوضعها الطبيعي. والسودان كان يأمل في أن تصل الولايات المتحدة الأمريكية إلى ذات الطريق مع السودان بحسبان أن السودان أكثر تهيئة وقد أعلن استعداده للتعاون مع الولايات المتحدة في كثير من القضايا.

حسناً، لماذا لم يتم التجاوب مع السودان بذات القدر؟

لا ندري لماذا تتأخر الولايات المتحدة في التجاوب مع قضايا السودان المطروحة الآن، هنالك وعود كثيرة قطعتها الولايات المتحدة على نفسها لأكثر من مرة مقابل أن يحدث السودان تحولاً وتطوراً في الشأن السياسي أو في حل مشكلة الجنوب أو في التداول السلمي للسلطة أو غيره، ولكن الشاهد في الأمر كل المطلوبات التي قام بها السودان وأوفى بها لم تقابلها الولايات المتحدة إلا بالمزيد  من التشديد على السودان والتمديد.

وفي تقديري أن السودان ليس لديه ما يقدمه ولكن المطلوب من الولايات المتحدة أن تقدم تنازلات أكثر للسودان، نحن لدينا موضوعات محددة نأمل أن تخاطبها الولايات المتحدة متمثلة في إعادة النظر في العقوبات الأحادية القسرية على السودان والتي تأثر بها تأثير بالغ وهي تعتبر انتهاك لحقوق الإنسان بالنسبة للمعايير الدولية. وللأسف الشديد هنالك بعض الدول تأثرت بالسياسة الأمريكية في هذا الشأن وحذت حذوها في عملية الحصار على السودان.

هذه واحدة، ما هي المطلوبات الأخرى؟

نطالب أيضاً الولايات المتحدة برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لأنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن السودان لا يرعى أي عملية إرهاب، بل العكس السودان تضرر وأصبح يدفع ثمناً كبيراً وباهظاً لمكافحة الإرهاب.. وليس هنالك ما يبرر وجود اسم السودان في قائمة هذه الدول. هنالك التزام مسبق من الولايات المتحدة بإعفاء ديون السودان الخارجية وحتى الآن لم يحدث أي تقدم في هذا الشأن. الولايات المتحدة الأمريكية لاتزال تتعامل مع السودان عبر المبعوثين الخاصين بإرسال مبعوث خاص للسودان، ونحن نقول إننا نريد أن تصبح العلاقة طبيعية قائمة على الاحترام المتبادل بين الطرفين بها التمثيل الدبلوماسي المتعارف عليه ولابد أن ينتهي عهد المبعوثين الخاصين، لأننا نريد أن تكون العلاقة قائمة على الندية بين الطرفين ونحن على أهبة الاستعداد لذلك.

كثر الحديث عن الإنضمام لمنظمة التجارة العالمية دون أن يكون هناك خطوات ملموسة في هذا الجانب ؟

بالطبع هذا حق للسودان بأن نصبح جزءاً من منظمة التجارة العالمية، صحيح أن هنالك مطلوبات واشتراطات يجب الإيفاء بها، لكن هنالك الآن اهتمام كبير من قبل الدول بهذا الملف وهو يدار على مستوى عالي من لجنة برئاسة نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبدالرحمن. والأيام الأخيرة شهدت تطوراً إيجابياً وكبيراً في طريق إكمال عملية الإنضمام لمنظمة التجارة العالمية ووجدنا ترحيباً من قبل الاتحاد الأوربي بالخطوات التي تمت حتى الآن والتي تشير إلى أنه يمكن أن يحدث السودان اخراق في هذا الملف وأن يصبح جزءاً من هذه المنظمة.

المحكمة-الجنائيةأين وصلت الحملة الأخيرة التي قادتها الخارجية ضد المحكمة الجنائية الدولية ؟

ملف الجنائية لم يعد هو الشغل الشاغل للسودان وحده ولكنه أصبح هماً شغل العالم كله والدول الأفريقية على وجه التحديد، لأنه بالنظر إلى الممارسة وبالتطبيقات العملية لهذه المحكمة وضح أنها ليس بمقدورها أن تقوم بالعملية العدلية. وهنالك الكثيرون ينظرون إلى هذه المحكمة باعتبارها مسيسة وانتقائية وكثر استهدافها للأفارقة على وجه التحديد، وهذا ما أثار حفيظتهم. المواقف التي تم اتخاذها وابرزها الإنسحاب الجماعي ليست لأن السودان ممثل في رئيس الجمهورية هو الذي وجهت المحكمة له الإتهام، ولكن لأن هناك كينيا والكنغو ومجموعة من الدول الأفريقية شعرت بأن هناك عملية ظلم تمارس في حق الأفارقة، وهنالك الكيل بمكيالين وازدواجية في المعايير وبالتالي تمت مجابتها من الإتحاد الأفريقي.

هل تعتقد أن الأفارقة قادرون على التصدي لهذه المحكمة ؟

هناك منظمات دولية كثيرة أصبحت هي الأخرى تصطف مع الاتحاد الأفريقي لمجابهة المحكمة. أيضا توجد مجموعات أوربية وغربية تراجع مواقفها حيال هذه المحكمة.. يكفي فقط حتى الولايات المتحدة لم توقع على ميثاق روما، ما حصل عليه السودان من دعم في موقفه المبدئي ضد المحكمة كبير. والآن البشير أصبح رمزاً للأفارقة وقد دلت عملية التكريم الأخيرة التي حدثت في أديس أبابا على هذا الإحساس، المحكمة لم تحظ باحترام وتقدير وأصبحت تفتقد لمصداقيتها وأصحبت الدول الموقعة على ميثاق روما هي الأكثر خروجاً عليه ووقفاً ضده، والدليل على ذلك موقف يوغندا الأخير ورئيسها يوري موسفيني.

في علاقات السودان مع يوغندا هل من تفاهمات واتفاقات جديدة؟

العلاقات جيدة جداً بين السودان ويوغندا.. وهنالك لجان مشتركة بين الطرفين ربما تجتمع في القريب العاجل. وهنالك تواصل وتفاهم على المستوى الرئاسي بين الطرفين البشير وموسفيني خاصة بعد زيارة البشير الأخيرة ليوغندا ومشاركته في احتفالات تنصيب الرئيس اليوغندي وإعلان موسفيني من خلال هذا الاحتفال مواقفه الواضحة ضد الجنائية، وهي لفتة بارعة ومؤشر في تغيير سياسة يوغندا تجاه السودان، وهي تعني الترحيب بالسودان ورئيسه والإنفتاح على السودان.. وهنالك تنسيق بين السودان ويوغندا من خلال الإجتماعات الوزارية المشتركة ولجان ذات طبيعة عسكرية أمنية وتواصل وزيارات متبادلة.

ملفات حلايب واحتجاز المعدنين هل ألقت بظلالها على العلاقات مع مصر ؟

ربما تحدث بعض الأحداث والإشكاليات الحياتية العادية بالنسبة للمواطنين السودانيين بمصر أو العكس، وهذه يتم التعامل معها عبر الأجهزة الرسمية وسفارتي البلدين وفي الغالب يتم حلها وتجاوزها.. ولكن أصل العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل، فهنالك تفاهم على المستوى الرئاسي بين البلدين والرئيس البشير تلقى من الرئيس السيسي دعوة لزيارة مصر في أكتوبر القادم، وكثيراً ما التقى الطرفان في العديد من المحافل وكذلك الزيارات المتبادلة بين المسؤولين.

توقيع-سد-النهضةلكن تبقى هذه الإشكالات قائمة ويمكن أن نضيف لها قضية سد النهضة؟

الإشكالات العالقة لا أعتقد أنها تؤثر على شكل العلاقات بين البلدين، وأنا أعتقد أن ترفيع اللجنة الوزارية المشتركة إلى رئاسية خطوة في الإتجاه الصحيح وتوطد دعائم العلاقة بين البلدين. والسودان بات يلعب دوراً مقدراً في كثير من الهموم المصرية أقلها سد النهضة بين مصر وأثيوبيا حيث لعب دورا كبيرا في تقريب وجهات النظر بين أثيوبيا ومصر، ولا يزال يقوم بهذا الدور لمصلحة شعوب الدول الثلاث.

ما مدى تقييمكم  للتعاون مع الدول الآسيوية؟

نتيجة للحصار الغربي المفروض على السودان اضطر السودان للإتجاه شرقاً، وبالتالي تعامل مع الدول الآسيوية ووجد تجاوباً كبيراً، فمثلاً علاقة السودان بالصين علاقة قوية وصلت إلى درجة أن هنالك اتفاقية أو إستراتيجية للتعاون بين الصين والسودان يجري تنفيذها بين البلدين في محاور عديدة، في مقدمتها المحور الاقتصادي وما يلي جانب النفط والطاقة والزراعة بجانب التصنيع والتعليم وغيره. يمكن أن نقول إن روسيا تسعى هي الأخرى الآن للوصول إلى اتفاق وتفاهمات وشراكة إستراتيجية مع السودان، فالسودان الآن على علاقة قوية مع مجموعة الدول الصاعدة كلها منها مجموعة الهند، فيتنام وجنوب امريكيا كالبرازيل ومجموعة البركس واليابان وغيرها. وهنالك تجاوب ومساعدات وعون للسودان بجانب قروض تم منحها للسودان من الهند والصين، وربما هي أكثر الدول التي قدمت عون كبير للسودان بدعم مشروعات حية قائمة الآن.

ما هي استراتيجيتكم تجاه دول الخليج والمحيط العربي عموما في ظل المتغيرات التي بدأت تطل برأسها على المنطقة؟

العلاقات مع الخليج والمملكة العربية السعودية في أحسن حالاتها، فهنالك تفاهمات بين البلدين وتعاون اقتصادي ينتظر أن يؤدي إلى تطبيع العلاقات بصورة تامة، فالسعودية الآن تنظر إلى السودان باعتباره دولة شقيقة وشريك بالنسبة لها في كثير من القضايا، وهي داعم كبير جداً لمبادرة الرئيس البشير المتعلقة بالأمن الغذائي العربي.

أما بالنسبة لدول المغرب العربي لا أدري هل لبعد المسافة أم ماذا، فالعلاقة جيدة سياسياً فيها تفاهم وتنسيق مشترك وهنالك زيارات متبادلة، وهنالك زيارة مرتقبة للرئيس البشير للمغرب بجانب أن هنالك لجنة مشتركة بين السودان وتونس يرأسها من الجانب السوداني النائب الأول لرئيس الجمهورية ينتظر أن تستأنف اجتماعاتها في القريب العاجل، ولكن الجانب الاقتصادي يحتاج لتفعيل أكبر مع دول المغرب العربي أما ليبيا فالسودان داعم لعملية الوفاق السياسي فيها.

تعليقات الفيسبوك