د. محمد مختار الشنقيطي: آراء فقهائنا رغم عظمتهم محدودة زمانياً ومكانياً

* الترابي حين يُقرأ ضمن سياقات الزمان والمكان سينصفه التاريخ

* التيارات الإسلامية في السودان تحتاج لنواة صلبة ومتماسكة للبقاء

حوار: إيمان كمال الدين _ خالد حسن- صحيفة السوداني

(مفاصلة الإسلاميين مثلت حدثًا في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية، مسفرةً عن شق في صفوف إسلامييها، وفقدت جراء ذلك عقلًا متألقًا، ومخططًا استراتيجيا لا يشقُ لهُ غبار وتحولت فلسفة الحكم من أجل الحكم دون رؤية أخلاقية أو مشروع فكري) كانت تلك عبارات أستاذ الأخلاق السياسية ومقارنة الأديان بجامعة حمد بن خليفة في قطر د. محمد مختار الشنقيطي، وأشار إلى الأمين العام للمؤتمر الشعبي الراحل حسن الترابي، “بالانقسام فقد القوة الاجتماعية التي حملت فكره وجعلت منهُ زعيمًا سياسيًا”.. (السوداني) التقت بالشنقيطي أمس على هامش للحديث في الأمسية الفكرية “حسن الترابي..الأثر الباقي”، وتدشين كتاب الترابي، توقيعات على كتاب الرحيل.

  • برأيك كيف أثر رحيل الترابي على مجريات الأحداث السياسية في السودان؟

رحيلهُ كان خسارةً كبرى ليس فقط للسودان بل للجميع في العالم الإسلامي، فقد ترك تراثًا وبصمة على كل الأمة.. أما تأثيره على وجه التحديد في الحياة السياسة بالسودان، فقد كان واضحًا، لأنه قبل رحيله بدا مهموما بوحدة الحركة الإسلامية وإعادة الالتحام بها.. وفي اعتقادي أنهُ بحاسته السياسة الاستراتيجية أدرك من خلال ما يدور في المنطقة أن هناك سعيا لاستئصال الظاهرة الإسلامية السياسية منها، مما جعلهُ يدرك رغم كل المرارات التي حدثت في الماضي والخلافات داخل صف الحركة والانشطار الذي وقع فيها، أنهُ لا يمكن الاستمرار بأيَّ حال من الأحوال على ذات النهج.

  • لماذا..؟

التغير الاستراتيجي في المنطقة، في اعتقادي هذا أهم تأثير.. وما كان يتمناه الترابي هو أن تستوعب الحركة معادلات الإستراتيجية الجديدة في المنطقة والظروف التي ما عادت تسمح بمزيد من الانشطار، لأن كل ظاهرة سياسية إسلامية مستهدفة.

  • بعد وفاته إذًا إلى أيّ مدى كانت هناك قابلية لتوحد التيارات الإسلامية؟

إذا فهمت هذه التيارات ما فهمهُ الشيخ حسن من تبدل في الموازين الإستراتيجية ومن حالة الطوارئ التي تعيشها المنطقة لأدركت الخطر المحدق بالجميع وستبحث عن أرضية مشتركة بينهم.

  • هل يمكن تحقق هذه الوحدة على أرض الواقع؟

يعود هذا لمدى استعداد قادة هذه التيارات للتضحية والخروج من الأنانية السياسية والفهم الأفضل لما يدور في المنطقة، وعمومًا لا يمكن عزل السودان عن بقية ما يحدث في مصر وسوريا و ليبيا، فالمحيط كلهُ في حالة سيولة استراتيجية وتفجر، بالتالي على التيارات الإسلامية في السودان أن تدرك أنها بحاجة لنواة صلبة ومتماسكة للبقاء أولًا، لأن هذه اللحظات لحظات صراع من أجل البقاء، ثم للاستمرار والبناء مستقبلًا.

  • فكرياً.. كيف أثر الترابي في تجربة الحركة الإسلامية في السودان؟

لا يمكن عزل تاريخ الحركة الإسلامية في السودان عن الترابي، فهو جمع صفات عجيبة، من القدرة الفكرية الهائلة والممارسة الميدانية وقل من جمع بين الاثنين، إذ نجد فلاسفة يعيشون في عالم الأفكار منفصلين عن الواقع، ونجد ممارسين من غير أفق نظري، أما هو فقد جمع بين الاثنين، وأبوته الفكرية للحركة الإسلامية في السودان واضحة.

  • وماذا عن الأثر الخارجي؟

أثرهُ امتد إلى حركات إسلامية أخرى وخصوصًا في المغرب العربي، وقد لفتت نظري تجربة الحركة الإسلامية في السودان وألفت كتابًا عنها، وكانت الشرارة الفكرية التي قدمها شيخ حسن نبراسًا للحركة في السودان وفي مواطن كثيرة، ونتمنى أن يبنى على هذا الميراث الفكري داخل السودان وخارجه.

  • كيف تحاكم مواقف الترابي السياسية؟

مواقف الشيخ الترابي كانت متحركة، وحين يكون الإنسان ممارسًا فإن هامش الخطأ يكون أكبر بكثير مقارنة بهامش الخطأ بالنسبة لمنظر آخر، يتحدث في أمور مجردة لا يمكن فحصها تجريبيًا.. وأنا أميز ما بين الترابي السياسي الممارس و ما بين الترابي المنظر.. وفي اعتقادي أن ما سيبقى من الترابي في نهاية المطاف على المدى البعيد والقرون القادمة هو الفكرة وليس الممارسة السياسية التي يشوبها الصواب والخطأ، ومع ذلك أعتقد أن التاريخ سينصف الترابي حين يُقرأ جهدهُ ضمن سياقات الزمان والمكان.

  • هل يبرر ذلك مواقفهُ السياسية أيًا كانت؟

لا يمكن تبرير كل المواقف السياسية، وهذه طبيعة البشر، وهناك جانب لم يلاحظهُ كثيرون في حياة وفكر الترابي، ففي ذكر العلاقة والممارسة والفكر، كتب رسالتهُ في الدكتوراة في جامعة باريس عن صلاحيات السلطة التنفيذية في وقت الأزمات “حالة الطواريء”، وهي تسمى نظرية الضرورة في الفقه الدستوري، وظل الترابي دائمًا وإلى حدٍ كبير أسيرًا لحالة الطوارئ، فكان فكر الضرورة والطوارئ حاضرين جدًا في تفكيره، ولا يمكن أن نفهم مواقفه السياسية دون أخذ هذا البعد من فكره في الاعتبار.

  • هل أنتج الترابي أفكارًا فقهية تتسق مع منظومة دينية محددة أم مجرد آراء فقهية خالفت إجماع العلماء؟

الترابي مفكر ومجتهد مسلم، وفكرهُ ضمن اجتهاده وفهمهُ للوحي، وليس بالضرورة ضمن التراث الفقهي وهو ليس ملزمًا بإتباع التراث الفقهي أو تقديسه، وهذا حقه وهو أمرٌ جيد، وباعتبار دراستي لتاريخ الأديان فإننا إذا خلطنا بين الدين والتدين، بين الوحي والتاريخ، بين الشريعة والفقه، فإننا سنقع في ورطة، لذا لابد أن نميز ما بين الدين والتدين، والوحي والتاريخ، ومع عظمة فقهائنا فآراؤهم محدودة بحدود زمانهم ومكانهم، ليس للسلف حجة على الخلف وليس للخلف حجة على السلف، الوحي هو مدد من الله مستمر كما أعطى للسلف سيعطى للخلف، وليس محصورا في جيل معين وهذا أمرٌ أدركهُ الترابي عندما ثار على كثيرٍ مما في التراث الفقهي.

  • اختلفت واتفقت مع الترابي في كثير من آرائه التي لم يكن هو أول من أثار الجدل حولها كإمامة المرأة، فما الذي أضافهُ الترابي؟

ليس مهمًا مضمون ما يقول بقدر أهمية المنهجية، الترابي يعلم العقل المسلم المعاصر أن يثق بذاته ويتعامل مع الوحي بشكل مباشر وأن لا يعطي قدسية أو سلطة زائدة للفهوم القديمة وأعتقد أن هذا أهم شيء بغض النظر عن هل أخطأ في جزئية ما أو أصاب، وبالنسبة لي هو أضاف منهجية جديدة للتعامل مع الوحي، ملهمًا العقل المسلم أن يكون أكثر ثقة في نفسه، ولندرك أن الاجتهاد البشري متجدد.

  • ما هي الأسس التي استند عليها الترابي في نهجه التجديدي؟

أدرك الترابي أن الوحي عابر للزمان والمكان وفهوم الناس وتأويلاتهم وتطبيقاتهم المحدودة بحدود الزمان والمكان وقد نجح في مسألة الفصل بين الوحي والتاريخ بشكل لم ينجح فيه كثيرون وهذه قفزة تجديدية هائلة، لأن تجديد الدين لا يكون إلا بتجاوز هذه الحجب التي تراكمت مع الزمن وأصبحت حائلا بين الناس والوحي، وبقدر ما نخترق هذه الحجب ونرجع للنبع الأول ونستنطق ونستلهم النبع الأول تكون لدينا إمكانية التقدم..

  • نظرية العقد الاجتماعي كانت ملهمة للغرب، كيف نستلهم من عهد النبوة عقدًا اجتماعيًا لنظام الدولة؟

النظام الإسلامي لم يقم في يوم من الأيام على أساس النقاء العرقي أو الديني كما عرفتهُ أوربا، المشروع الإسلامي مشروع إنساني، والمجتمع الإسلامي منذُ بداية التأسيس السياسي في المدينة مجتمع مركب، كان اليهود جزءًا منهُ ومرورًا بكل التاريخ الإسلامي الذي وجدت فيه أقليات دينية حتى في العصر النبوي كان هناك مجوس. الإسلام منفتح حتى على الوثنيين، لذلك في العصور الأمبراطورية كانت أمبراطوريتنا أكثر انفتاحًا من الأمبراطوريات الأخرى وأقل حرصًا على النقاء العرقي، وأرى أن العقد الاجتماعي في الدولة المعاصرة بطبيعته هو عقد ملكية عقارية مشتركة، ولو أردنا تشخيص الدولة المعاصرة فقهيًا فهي ملكية عقارية وعند حدود هذا العقار تبدأ حدودا وواجبات وتنتهي حدودا وواجبات، والدولة القديمة كان العقد الاجتماعي فيها قائما على أساس وحدة الدين أو وحدة العرق.

  • إلى أيّ مدى أثر مشروع الحداثة برؤيته العلمانية والفردية على الحركة الإسلامية؟

الحداثة والثقافة المعاصرة جزء تكويني أساسي من تكوين الترابي، وثقافته في نهاية المطاف ثقافة مركبة، مزيج من الثقافة الإسلامية التقليدية إضافة لما تلقاه في الجامعات الغربية، ولم يكن إنسانا بسيطًا ذا بعد واحد وهذا ما نحتاجه، والثقافة المبدعة لا بد أن تكون ثقافة تركيبية، والإبداع لا يكون إلا على الحدود بين الثقافات، وهذا ما مكن الترابي أن يكون مفكرًا مبدعًا، عبر الشرارة التي يؤديها الاحتكاك بين الثقافات.

  • إذًا نحنُ دولة إسلامية بهوية حديثة؟

لا يمكن أن تكون دولة حديثة إلا بهوية حديثة لكن هذا يعني أنها مناقضة للقيم السياسية الإسلامية، هذا العقد الجغرافي لهُ أصول في الإسلام، وعندما أسس الرسول صلى الله عليه وسلم دولة في المدينة من هاجر للمدينة لهُ حقوق على الجماعة المسلمة (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) الميثاق مع الآخرين غير المسلمين مقدم على نصرة المسلم الذي لم يهاجر، وصار بذلك جزءًا من الكيان السياسي الذي لهُ حدود جغرافية، ولا يمكن التمييز في الدولة المعاصرة في الحقوق والواجبات بين مسلم وغير مسلم، لا على أساس العرق أو القبلية وهذا منسجم تمامًا مع القيم السياسية الإسلامية النصية وليست التجربة التاريخية.

  • ما هي الأسس والقواعد التي تبنى عليها الدولة المعاصرة؟

الأساس الجغرافي هو أساس العقد الاجتماعي، فما يجمعنا مثلاً هو أننا نمتلك هذا العقار لكن ما هي القيم التي ستحكمنا ونحن داخل هذا العقار هي قيم إسلامية إذا كانت الأغلبية إسلامية، وفي كل أرجاء الأرض القانون هو إنعكاس لمنظومة القيم التي تؤمن بها غالبية المجتمع لكن دون ظلم لأقليات المجتمع.

  • تحدثت عن الدولة القديمة والمعاصرة فما هو الاختلاف؟

هناك فرق كبير بين الدولة القديمة والدولة المعاصرة، في الدولة القديمة كانت منظومة القيم مرتبطة برأس الدولة لذلك كان يقال الناس على دين ملوكهم، ولذلك أطلق فقهاء المسلمين أن الخليفة لا بد أن يكون مسلمًا، لكن في الدولة المعاصرة منظومة القيم ما عادت مرتبطة برأس الدولة، منظومة القيم هي الموجودة في الدستور، لذا أقول ما الناس على دين دساتيرهم ما عادوا على دين ملوكهم.

  • بمعنى أنهُ يمكن لغير المسلم أن يحكم في بلد مسلم؟

إذا أردنا أن نحمي قيم الإسلام لا نحميها بوجود رئيس مسلم، كل رؤسائنا مسلمون لكن هل التزموا بقوانين الإسلام، نحمي قيمنا بالدستور، من سيحكم سيحكم طبقًا للدستور، والتحدي اليوم ليس من يحكم..؟ بل القيم التي تحكم، نحن نحتاج كشعوب مؤمنة أن نجسد قيمنا في دساتيرنا، ومن يحكمنا مسلم أو غير مسلم ملزم بهذا الدستور، ما يهم اليوم هو الحكم بقيم الإسلام.

  • أين تجد الترابي بين المفكرين محمد إقبال ومالك بن نبي ؟

لا شك أنهُ استفاد منهم وتكلم الترابي بشكل صريح أنه استفاد من مالك بن نبي وغيرهُ، ولكن بقيت له شخصيته الإبداعية وهو مفكر عظيم ومن خيرة العقول النيرة المسلمة في القرن العشرين.