في بيان ما، للمُواطنة والحِكمة من اتصال !..

عصام الحسين

العنوان مُستولد من أشهر كُتب أبي الوليد محمد ابن رُشد بعنوان (فصل المقال .. فيما بين الحِكمة والشريعة من اتصال) إذ ترافع ابن رشد عن الحكمة أو الفلسفة في صراعها مع المذاهب الدينية مُستنداً إلى أنه ليس هناك كبير تضاد بين الفلسفة وعلوم الدين .. لأنهما يُطالِبان في الأصل بانتمائهما إلى الوعي والمعرفة؛ فعِلَّة الفهم المُطالب بها شرعاً موجودة في الفلسفة أو قُل في الحِكمة بالتلقاء . أما دواعي استدعاء أو تمسرُح ما كان من مأتى لابن رشد في خشبة الواقع الآن، فهو الخوض في عملية جدلية تبادلية تُحقِق الوصل بين الحكمة والمُواطنة بذات أدوات تحقيق الإجماع وتجنب النزاع، التي استخدمها ابن رشد للوصل بين الحكمة والشريعة في كتابه فصل المقال .

صُعوبة الحفر في الأصول اللغوية والاصطلاحية لمفهومي المواطنة والحكمة لا يقتضيه اختلاف النُظم المرجعية التي يُستمد منها المفهوم فحسب، بل يُضاف إليه اختلاف حقول المعرفة التي كانت محضناً مباشراً لكل مصطلح وموجهاً لدلالته في الثقافات المُختلفة، العربية منها والغربية .. ومع الوضع في الاعتبار هذه التعقيدات يُمكن القول أن الحِكمة تعني : الإيمان بسريان المعقوليات في حركة العالم كله، كما تعني التعامل بعدالة مع مُجريات الأحداث وعدم الوقوف تجاهها بانحراف . أما المواطنة فهي صفة للمواطن المُتمتع بالحقوق والمُلتزم بالواجبات التي تفرضها طبيعة انتمائه إلى وطن .. ومن هذه الحقوق على سبيل المثال : حق التعليم، حق الرعاية الصحية وحق العمل؛ أما الواجبات، فمنها على سبيل المثال : واجب الولاء للوطن والدفاع عنه، واجب أداء العمل واتقانه . كما أن المواطنة هي الدائرة الأوسع لمُختلف الانتماءات، والانتماء الحقيقي يتمثل في وعي المواطن بأبعاد الظروف المُحيطة بوطنه داخلياً وخارجياً، وإدراكه لمُشكلات وقضايا وطنه بحيث يكون قادراً على معرفة أسبابها وطبيعتها، ويحدد بالحكمة موقفه منها، ويكون المنتمي المُساير لأخلاقيات الحكمة مع الأغلبية ويعمل لصالحها كهدف يسمو به على الفردية والأنانية مع التمسك بحقه في النقد الذي يتطلب مهارة تقبل نقد الآخرين بصدرٍ رحب.

بهذا التكشُّف العملي لمعاني الحِكمة والمواطنة تتمظهر الدواعي الأصيلة للمُقاربة بينهما على اعتبار أن الأخيرة تتفتق بتلقي المواطن قدراً من الحِكمة .. وعلى الجُملة، تتأثر المُواطنة بالنضج السياسي والرقي الحضاري، وتُقوِّي بالحِكمة عودها فيصير المواطن في حصن من خطاب اللا معقول المُشوِّش للعقول، لجهة تحصينه بالحِكمة التي أساسها الإيمان بسريان المعقوليات في حركة العالم كله.. فتترتب تبعاً لذلك الأولويات، وبمُقتضاها يتغلب المواطن على البلاء بالصبر لا بالسخط ، وبالصفح لا بالانتقام، رغم قدرته على خرق العادة وزيادة .. كما تمُد الحكمة المواطنة بالعدل، وبمقتضاها يتعامل المواطن مع تناقُضات الدولة والمعارضة بالوسطية الحكيمة، لا بالانحراف الأهوج.

إذن .. فالنتائج المُتوصل إليها، يُمكن أن تُذاع على الجمهور، لأنها اعتمدت على البُرهان ، والجمهور يحتاج ـ مع البرهان ـ إلى مرجعيات وشواهد تُعضد وصل المواطنة بالحكمة وربطها بالحال والمآل ، والحال هو أن المواطن في السودان تحصَّن بالحِكمة التي أساسها الإيمان بسريان المعقوليات، فتغلب على البلاء الناتج عن الإصلاحات في الاقتصاد ـ وما ترتب عليها من زيادات في المحروقات والكهرباء والمواصلات ـ تغلب عليها بالصبر لا بالسخط ، وبالصفح لا بالانتقام .. كما استمد من الحكمة العدل ، فتعامل مع صراع الدولة والمعارضة حول هذه الزيادات بالوسطية لا بالانحراف ، واستعصم بواجب الولاء للأوطان ، وقدَّم أداء العمل واتقانه على نداءات التظاهر والعصيان، وحدّد بالحِكمة موقفه من جدليات الخروج على الحُكام.

أما المآل من وصل المواطنة بالحكمة، هو أن يُحترم هذا المواطن الحكيم ويعامل بذات العدل ويُبسط له ما في الإمكان ، ومنه على سبيل المثال ضبط غول السوق وتوفير مواعين النقل وتنفيذ إجراءات خفض الإنفاق الحكومي وتفعيل سياسات منع المضاربة بسعر النقد الأجنبي .. أليس هذا بالإمكان ؟

تعليقات الفيسبوك