قبائل أثيوسودانية (1)

أنور إبراهيم أحمد (كاتب إثيوبي)

هنالك بعض العناصر والمقومات المشتركة التي تجعل السودان وأثيوبيا يشتركان في مزايا عديدة من بين دول منطقة القرن الأفريقي، وخاصة أن تلك الدولتان متجاورتان حدودياً ويشتركان في عدد من الظواهر الطبيعية (النيل الأزرق) وبعض الحدود الجغرافية، مما يثير الفضول للبحث والتحري عن القبائل المشتركة بين البلدين، خاصة في السحنات والعادات والمقومات الثقافية والتراثية، فنجد أن الموضوعات التي جعتلني أكتب هذا الموضوع هو متابعتي لعدة عناصر مهمة لقبيلة العفر التي تقطن في الجزء الشرقي من أثيوبيا ولها إقليم يحمل اسمها، وهي من الشعوب الإثيوبية أو القوميات الإثيوبية التي لها كيان ضخم وتاريخ، ولها تداخل مع عدة دول مثل جيبوتي وأرتريا، وهذه القبيلة تجعلني أعود إلى السودان، خاصة شرقه، والذي توجد به إحدى قبائل البجة الشهيرة والمعروفة وهي قبيلة الهدندوة، وهي أقرب قبيلة تربطها عناصر متشابهة لقبيلة العفر الإثيوبية، فنجد أنهما يتشابهان أولاً في السحنات والشكل، وأيضاً من ناحية المناخ الذي تعيش فيه القبيلتان، حيث مناخ قبيلة مناخ قبيلة الهدندوة مناخ ساحلي شبه صحراوي حار، وكذلك المناخ والبيئة التي تعيش فيها قبيلة العفر ساحلي وحار، خاصة ونجد أن القبيلتين تهتم بالرعي كحرفة أساسية لهما خاصة الإبل والأبقار (قبائل رعوية) ونجد أن لكل منهما لغة خاصة (اللغة العفرية) وهي لغة تكتب وحروفها لاتينية، والهدندوية التبداوية أيضا تكتب، وتشترك هذه القبائل في أنها تعتمد في غذائها على منتجات الحيوانات اللبن والسمن ولحوم الحيوانات التي ترعاها، ويفتخر الفرد في كلا القبليتين بامتلاكه للثروة الحيوانية الكبيرة كثروة وإرث، وهذه العادة ايضاً موجودة في السودان خاصة لدى القبلائل النيلية، وفي غرب السودان وفي الشرق، وتوجد بكثرة لدى قبائل جنوب أثيوبيا .
ومن الأشياء المشتركة أيضاً الأزياء الوطنية والشعبية التي تتشابه، خاصة الهدندوة لديهم السروال والشال وأيضاً السيف والزي يعتبر جزءًا من الإرث التراثي للقبيلتين، مع اختلاف في حجم السيف وطريقة صنعه من قبيلة العفر للهدندوة، أذ يكون السيف لدى العفر قصير وعريض في وسطه وحاد في الطرف، أما لدى قبيلة الهدندوة فهو طويل وعرضه واحد، وهنالك تسريحة الشعر وطوله لدى الرجال خاصة، ويستعمل الهدندوة (الودك) وهو دهن الحيوانات ويستعمل لتدليك الشعر، والذي يجعل الشعر طويلا ويوضع مشط من الخشب (الخلال) بضم الخاء، وعند قبيلة العفر يوضع السمن الحيواني الخام على الشعر، ويجعل الشعر طويلا لدى القبيلتين ويمشط أحياناً بوضع السمن الحيواني عليه لدى الشباب خاصة وأنه يعتبر نوعاً من الجمال والأعمال الجمالية.
وعند النساء نجد أن الأزياء متشابهة وهي الثوب، والعباءات الفضفاضة، ويعتمد كثيرا لدى القبيلتين الساري الهندي وتمشيط الشعر للنساء، ويتشابه لدرجة كبيرة، خاصة المقدمة والتي تنقسم إلى قسمين (خصلتين)، وتسرح كل خصلة إلى مجموعة صغيرة (عدة مشطات) أو تسريحات  وأيضا تستعمل النساء العفريات السمن الخام وهو أبيض اللون ويستخرج من اللبن، بينما تضع نساء الهدندوية الدهن الأبيض أو كما يسمى محليا لدى تلك القبائل (الودك) المستخرج من الحيوانات .
فنجد أن هنالك أيضاً صفات مشتركة بينهما على سبيل المثال المساكن التي تسكنها القبيلتين تعتمد في أثاثها على الخيام المصنوعة يدوياً من البروش والصوف والزعف أو زعف النخيل وصوف الحيوانات، ومعظم الأدوات المنزلية مصنوعة يدوياً من الجلد والفخار أو السعف، وتعتمد هذه القبائل في كلتا الدولتين على ماتنتجه من بيئتها المحلية، وما يستخرج من حيواناتها، ولا يوجد إلا بعض الاختلافات الطفيفة والتي إن لم تدقق فيها فلن تعرف من أي القبيلتين هذا الشخص، مثلاً فهنالك الهدندوة الرجال يضعون الجكت أو السديري كما يسمى أعلى الجلباب، لكن قبيلة العفر يلفون حول أنفسهم قماش أبيض يربط بحزام جلدي من وسطه.
تعتمد قبائل الهدندوة كثيراً على شرب القهوة كجزء من تراثها، وقبيلة العفر تعتمد أيضاً بجانب الرعي على التجارة خاصة الملح الذي يستخرج من اراضيها التي يتوفر فيها الملح بكثرة من أي شيء آخر، وطبيعة أراضيها بركانية بها عدد من البراكين الحية، عكس الهدندوة في شرق السودان .
وتلك القبيلتين ترجع في جذورها للقبائل الحامية التي تعود لحام بن نوح، وهي تمتد على مناطق الساحل من منطقة الصومال حتي مناطق حلايب، وتدخل في الأراضي المصرية وهي مناطق ساحل البحر الأحمر مع بعض تحركات البطون المشتقة منها إلى الاراضي الصحراوية، حتى النيل، وهذه القبائل التي تعود في أصولها إلى البجا، وهي بطون كثيرة منها البشاريين والحلنقة والأمرأر والهدندوة التي نحن بصدد الحديث عنها الآن .
ولكن في أثيوبيا تنحصر قبيلة العفر في الحدود الشرقية ولها امتداد أساسي ومكون رئيسي لدولة جيبوتي وامتداد في أرتريا كقبيلة مشتركة بين الدول الثلاث ومع التقسيم الجديد في أثيوبيا وخاصة بعد أن صارت بالمنطقة ثلاث دول (أثيوبيا- أرتريا – جيبوتي) وهنالك وسط الدول الثلاث مثلث يسمى مثلث العفر لقبيلة مشتركة بين هذه الدول الثلاث، وفي أثيوبيا قومية العفر قومية لها إقليم خاص بها في ظل الدستور الأثيوبي الذي يعترف بكل قومية وتراثها وإرثها وحقائقها وتاريخها ولغتها، وهو واحد من الأقاليم الإثيوبية التسع في أثيوبيا، ولها حكومة خاصة بهم وحزب .
وفي السودان قامت حركة أسمت نفسها مؤتمر البجة خاصة في ظل التحركات السياسية التي ظهرت مؤخراً في السودان، عقب اتفاقية السلام الشاملة في العام 2005م، وتعتبر الهدندوة كجزء من قبائل البجة تشترك معها في الصفات السياسية والاجتماعية والأحداث، ولها تداخل مع دولة أرتريا .
الهدندوة والعفر قصة تشابه لاتنتهي أبداً، وسمات مشتركة وعناصر ثقافية واجتماعية وبيئة متشابهة بصورة كبيرة جديرة بالدراسة، وهل هنالك علاقات تواصل وأصول مشتركة؟ وتواجدهم على الساحل هل يرجع لأسباب ما؟
هذه العناصر تحتاج لمزيد من البحث .

تعليقات الفيسبوك