قتلى المسيرية وإستراتيجية التعامل مع دولة الجنوب

  • الطيب مصطفى

قراتُ بالأمس في (اليوم التالي)، خبراً مُحزناً عن مصرع سبعة من أبناء المسيرية الرعاة على يد الجيش الشعبي داخل أراضي دولة جنوب السودان مع فقدان اثنين آخريْن، وذكرت الصحيفة أسماء القتلى والمفقودين.

ووفقاً للخبر المنقول عن الشيخ حسن يوسف عمدة منطقة الدبب بولاية غرب كردفان فإن القتلى والمفقودين تعرضوا لإطلاق نار من قوات الجيش الشعبي بالقرب من مدينة بانتيو بولاية الوحدة والتي نهبت (237) رأساً من الأبقار توجَّه بها القَتَلة إلى منطقة ربكونا.

وهكذا يتواصل مسلسل الموت لأبناء السودان في أرض دولة الجنوب سواء كانوا تجاراً يعملون في المدن الجنوبية أو رعاة يبحثون عن الكلأ لمواشيهم في المناطق الحدودية الجنوبية المجاورة للسودان، بينما يتدفّق المئات من أبناء الجنوب إلى الشمال طلباً للحياة وهرباً من الموت جوعاً أو حرباً في موطنهم، فما أتعسها وأغربها من مفارقة أو مقارنة! مقارنة سلوكنا ونحن نرسل للجنوب الغذاء المجاني لإغاثة جوعاهم ونمنح الجنوبيين الحياة من خلال استقبالهم بالآلاف يومياً في بلادنا بالرغم من أنهم اختاروا الانفصال عنها، وبالرغم مما نًعانيه من ضيقٍ ونقصٍ في الخدمات والمعاش، وسلوكهم وهم يقتلون مواطنينا وينهبون أبقارهم عندما يدخلون أرضهم كما حدث قبل أيام للرعاة من أبناء قبيلة المسيرية، وكما يحدث كل حين في شتى مدن الجنوب التي يوجد بها تجار سودانيون!

إنها ذات المأساة القديمة تأبى إلا أن تتجدَّد من حين لآخر في مسيرة الدماء والدموع التي بدأت قبل استقلال السودان.. مأساة من يهبون الحياة لمن لا يجازي ذلك الإحسان إلا بالنكران!

مشكلة الرعاة ورحلة الشتاء والصيف في مناطق التداخل بين الشمال والجنوب، عانت منها القبائل الحدودية المتاخمة لأرض الجنوب ربما منذ مئات السنين، وما كان حلها صعباً لو توافرت الإرادة السياسية شأنها شأن كل مشاكل التخلّف التي أرهقت الوطن والمواطن في مختلف بقاع السودان.

إذا كان عبد الحفيظ الصادق وزير الدولة بوزارة التربية والتعليم قد صرح قبل أيام أن عدد الأميين في السودان يتجاوز العشرة ملايين أمي، فإن نسبة مقدّرة من هؤلاء من العرب الرحّل الذين يعيشون في بوادي كردفان ودارفور والذين لا يموتون فقط بسلاح الجيش الشعبي الجنوبي في رحلات البحث عن المرعى إنما كذلك جرّاء الحروب القبلية التي كثيراً ما تشتعل بسبب الصراع على المرعى، مثلما كان يحدث في حروب البسوس وداحس والغبراء أيام الجاهلية الأولى!

لا ينتطح عنزان في أن التعليم ولا شيء غيره هو الكفيل بإطفاء وإنهاء كثير من هذه النعرات والثارات التي تُشعل الحروب القبلية وتتسبّب في الموت بالجملة.

الحل ليس صعباً، فقد أبدعته التجربة الأوربية والعالمية منذ مائة عام أو يزيد، وأعجب من الأمم المتحدة التي تهدر مليارات الدولارات في دارفور وفي غيرها لإعاشة قوات تسمّى زورا بقوات حفظ السلام بالرغم من أنها عاجزة عن حماية نفسها وأفرادها ناهيك عن أن تحفظ السلام أو توفِّره لمواطني دارفور ولو بذل جزء من تلك الأموال المهدرة في إقامة مشروعات زراعية ومراعي ranches لتوطين أولئك الرحل ولإنشاء المدارس والقرى والمدن لهم أو قُل لو وفّرت الدولة موازنات سنوية في إطار مشروعات حصاد المياه لاستقرار الرحل لما تواصَل مسلسل الموت الذي يحصد أولئك الباحثين عن المرعى في بلاد لا تُضمِر لهم غير الشر والموت الزؤام.

آن الأوان لإيجاد حلٍّ جذريٍّ لتوطين الرحّل في شتى مناطق السودان ولا يجوز بأي حال ونحن في القرن الواحد وعشرين أن نظل في ذلك التخلُّف الذي يضطر الرحّل إلى حرمان أطفالهم وأنفسهم من التعليم الذي لا تتوافر مدارسه إلا للمقيمين في قرى ومدن مستقرة .

إذا كنتُ قد دعوت في مرات سابقات إلى إقامة آليات مركزية لحل بعض المشكلات الكبرى ذات التأثير على الأمن القومي مثل قضية الهجرة غير الشرعية ومشكلة الأُمية، وكذلك مشكلة الرحّل، فإن هذه القضية تحتاج إلى آلية مركزية قوية تكون تحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، وتُرصَد لها موازنة معتبرة.

إن إسناد تلك المشكلات إلى الولايات يُقلّل من فرص حلّها ذلك أن انفعال كل ولاية بالقضية المعينة يتفاوت من ولاية إلى أخرى، فعلى سبيل المثال فإن المهاجرين إذا ضُيِّق عليهم في حدود ولاية القضارف فإنهم سيتسللون من كسلا، وكذلك لا يمكن أن تُحَل قضية الأمية في لاية معيّنة في وقت لا تكترث فيه الولاية المجاورة بالأمر.

آن الأوان لتوطين الرحّل في إطار إستراتيجية لطالما دعوْنا إليها للتعامل مع دولة جنوب السودان.

تعليقات الفيسبوك