لماذا لا نصالح إسرائيل 7

لماذا لا نصالح إسرائيل 7
د. أمين حسن عمر
كان النزاع فى دارفور فرصة تاريخية للحركة الصهيونية لمواصلة مساعيها لتفتيت السودان وبخاصة بعد أن لاحت بوارق اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية فى جنوب السودان ونجاح الحكومة السودانية فى طى ملف التمرد فى شرق السودان بابرام مصالحة تاريخية مع أرتيريا الراعى للحرب وللسلام فى الشرق وكذلك نجاح الحكومة فى توقيع أتفاق القاهرة مع الأحزاب المعارضة ولم يبق الا دارفور ساحة لنزاع يراد له ان يسلب من الحكومة عائد السلام

دارفور ومكائد الصهيونية واليمين الأمريكى:
لقد مثلت المشكلة فى دارفور حالة أنموذجية للتعئبة الصهيونية من أجل مضاعفة الضغوط على بلد يعتبر معاديا للصهيونية .وشكلت تطبيقاً دقيقاً لاستراتيجية الصهيونية التى سبق ذكرها من استخدام للتناقضات الداخلية وتحريض للأقليات الأثنية واستغلال للازمات الانسانية وشن الدعاية المكثفة السوداء.

ولاشك ان دارفور كانت مهيأة لصناعة الأزمة بيد ان الأزمة كانت مختلقة إلى مدى بعيد . فقد تصاعدت تمديدا وتنفيذا للاستراتيجية الإسرائيلية الموسومة بإستراتيجية (شد الأطراف) والتى إستهدفت الضغط على الحكم القائم بإثارة الحرب ومدها من الجنوب إلى الأطراف الغربية والشرقية والجنوبية من البلاد. وبدء بنقل الحرب بواسطة وكلاء كانوا أعضاء فى الحركة الشعبية الى تلكم الاطراف التى كانت السياسة الاستعمارية قد نفذت فيها قانون المناطق المغلقة لما بها من أقليات عرقية او دينية للحؤول دون اندماجها الوطنى والدينى فى بقية البلاد.وتلك الاطراف هى جنوب الأنقسنا فى الجنوب الشرقى , وارسل اليها مالك عقار وجبال النوبة فى الجنوب الغربى وأرسل إليها يوسف كوة. ودارفور وارسل اليها عبد العزيز الحلو ويحى بولاد ثم توسعت المؤامرة الى خارج المناطق المغلقة الى الشرق الشمالى فتم استقطاب جناح من حزب مؤتمر البجا. وكذلك مايسمى بحركة الأسود الحرة التى تمثل قبيلة الرشايدة . وتم ذلك بتنسيق مع المخابرات الارتيرية .أما دارفور فعلى الرغم أن جزءاً صغيرا منها فى منطقة كتم كان جزءاً من المناطق المغلقة الا ان الصراعات القبلية المسلحة والحراك السكانى الذى جرى بفعل الجفاف والتصحر والتدخلات من النظام الليبى جعلتها مهيأة لاندلاع أزمة كبيرة .

فاقم من ذلك عودة الآلاف من الحرب فى العراق بعد انتهاء حرب العراق مع إيران . فقد كان العراق قد جند آلاف مايسميهم بالمتطوعين لحربه مع إيران . وكذلك فن آلافاً آخرين من الجنود عادوا ليبيا بعد إضطرار القذافى لحل ما كان يسميه الفيلق الاسلامى. وقد عاد هؤلاء دون تهئية ظروف مناسبة لاستيعابهم ولا خطة لادماجهم فى المجتمع الأهلى والحياة المدنية والاقتصادية. فشكلوا رصيدا حاضرا للتحريض والتجنيد. كانت المخابرات الاسرائيلة ترصد كل هذه الاوضاع وتخطط لاستغلالها لإنهاك السودان ,وإسقاط الحكومة الوطنية المعادية لها.ولم تتورع إسرائيل من التفاخر علناً بما تفعله فى السودان فالجنرال عاموس يادين رئيس المخابرات العسكرية فى إسرائيل يتفاخر بالقول (لقد أنجزنا في السودان عملا عظيما للغاية فقد نظمنا خطاً لإيصال السلاح للقوى الانفصالية فيه ودربنا العديد منهم وقمنا أكثر من مرة بأعمال لوجستية لمساعدتهم ونشرنا هناك في الجنوب ودارفور شبكات رائعة وقادرة للاستمرار في العمل إلى ما لا نهاية) ولتسهيل ذلك فتحت إسرائيل ممثلية لما تتسمى بحركة جيش تحرير السودان لتنسيق إستقدام كوادرها للتدريب وتنسيق نقل المؤن والسلاح للحركة .
نشأة تحالف أنقذوا دارفور:
فى الربع الأخير من العام 2004 كانت الحروف النهائية لاتفاق السلام الشامل تُسطر فى نيفاشا . وأدركت إسرائيل أن السلام لو أصبح شاملاً كما تخطط الاتفاقية فإن ذلك سيلحق ضررا لن يستدرك بإستراتيجيتها ضد السودان . ولذلك تحركت بسرعة فائقة لاعلاء قضية النزاع فى دارفور الى الحد الذى يعيد تجديد الأزمة فى السودان. وفى النصف الثانى من العام 2004 كان كولن باول وزير الخارجية الامريكى آنذاك فى زيارة الى نيروبى وسُئل من قبل أحد الصحفيين الامريكيين إن كان يعتبر ما يجرى فى دارفور إبادة فقال بحزم لن أستخدم حرف الجى يقصد (جينوسايد) لكن هذا الموقف سرعان ما تحول ذلك أن الاستراتيجية الصهيونية كانت تتحرك لاعلان أن مايجرى فى دارفور من صراع قبلى يشكل إبادة مدعومة من الجيش الحكومى (رغم أن قيادة هيئة الاركان للجيش كان فيها أربعة جنرالات ينحدرون من دارفور و أثنان منها من القبائل المزعوم أنها ضحية الابادة ) وأعلنت الابادة لأول مرة من متحف الهلوكست اليهودى فى نيو يورك ودعى من هناك لاقامة تحالف لانقاذ دارفور من الابادة الجماعية المزعومة .

وتسلسلت الاحداث على النسق التالى : ففي الرابع عشر من يوليو2004 عقد الإجتماع التأسيسى للتحالف أنقاذ دارفور وبعد أسبوع واحد من التقاء منظمي التحالف كان اللوبى الصهيونى يتحرك فى أوساط مجلسى الشيوخ والنواب الذين أصدرا بيانا مشتركا يعلنان فيه أن المجازر الجماعية التى تقوم بها الخرطوم في دارفور تشكل تطهيرا عرقيا وإبادة جماعية . و في 16 أغسطس 2004واصلت مؤسسة “ياد فاشيم” مؤسسة ذكرى المحرقة ما بدأه متحف الهلوكست فى نيويورك وأطلقت نداء من القدس لوقف الإبادة في دارفور . أما كولن باول الذى نفى قبل اسابيع فى نيروبى وجود إبادة فعاد بعد الحملة الصهيونية فى الهلوكست وبعد تأسيس التحالف وبيان الكونغرس ليقول في 9 سبتمبر أن ما يحدث من مجازر جماعية تقع في دارفور يشكل إبادة جماعية. كما أصدر توجيهاته وفي اليوم نفسه لتدعم واشنطن قرارا في مجلس الأمن يفرض عقوبات على الشركات النفطية العاملة في السودان وذلك رغم وعوده فى كينيا ووعود بوش فى مهاتفته للرئيس البشير برفع العقوبات عن السودان . ومضى اللوبى الصهيونى فى التنسيق مع اليمين الامريكى الى حد المطالبة بالتدخل العسكرى فى دارفور .فقد طالب برندر غاست الذى نظم احتفال متحف الهلوكست ثم ويليام كريستون وفانس سيرتشك من اليمين الجديد بالتدخل العسكري ضد الخرطوم.
ومضت إسرائيل سيرتها الأولى فى دعم حركات التمرد بالسلاح . ونشرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية نبأ نقل أسلحة إسرائيلة لحركات دارفور وفي ذات اليوم نفسه أعلنت جيروزاليم بوست أن إسرائيل قد أرسلت مساعدات إنسانية إلى دارفور بالاشتراك عدة مجموعات يهودية أميركية. و استمر ذلك العمل الاستخبارى تحت غطاء العمل الانسانى بصور متعددة وكان تحالف أنقاذ دارفور يرتب لتصعيد حملاته ضد السودان فتم تنظيم تظاهرة كبيرة في 30 أبريل في واشنطن لإنقاذ دارفور والتي حملت شعار”Save Darfur” وكان التحالف المنظم للتظاهرة والذي قدم نفسه باسم تحالف من أكثر من 130 منظمة دينية وإنسانية قد برزت فيه الواجهات الصهيونية بصورة علنية واضحة .

وتتوسع جهود إسرائيل فى دعم حركات التمرد عسكريا وأعلاميا ودعائياً فيعلن بنيامين نتنياهو أمام الإيباك أن أكبر جريمة تعرفها الإنسانية تجرى فى دارفورولابد من حشد القوى لايقافها . وتعلن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أن إسرائيل لا يمكن لها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يعانيه سكان دارفور. وكان قد تم الاعلان عن التظاهرة الكبرى في صحيفة «نيويورك تايمز»، فى صفحة كاملة، برعاية مجموعة من المنظمات اليهودية . بما في ذلك مركز الجالية اليهودية في مانهاتن، والجاليات اليهودية المتحدة، والـ«يو جي أي» في نيويورك والمجلس اليهودي للشؤون العامة الأيباك . وأما فى فرنسا، فسنجد أسماء ذات دلالات يهودية واضحة دعمت الحملة الصهيونية لدارفور ولكن ذلك كان يعرض بوصفه جهوداً إنسانية لوقف ما يُوصف بالمجازر.

ومن أكابر الضالعين فى الحملات برنار كوشنير(وزير الخارجية السابق) والذى كان ناشطاً ضالعا فى المخطط الصهيونى فى جنوب السودان . وكذلك الكاتب وعضو البرلمان الاوربى اليهودى برنار هنري ليفي وبعض المنظمات اليهودية الفرنسية. ولم يكن هنالك أدنى شك أن الصهيونية قد عبأت كل قواها والموالين لها أبتداْ من أولبرايت اليهودية الأصل الى الحلفاء فى اليمين الامريكى الجديد وشملت التعبئة الولايات المتحدة الامريكية وأوربا . واستمر تحالف أنقاذ دارفور فى قيادة الحملات الى حين تصدعه بالفضائح المالية . وفضيحة تمويل المستوطنات فى إسرائيل مما يجمع من تبرعات بأسم ضحايا المجازر فى دارفور. والدوائر الصهيونية هى التى زورت وزيفت كل الدعاوى التى قادت الى تصعيد ما يسمى بالمحكمة الجنائية الدولية مع السودان والرئيس البشير .
وقد انتقل التركيز الاسرائيلى مؤخرا بعد تلاشى الاهتمام المحلى فى امريكا بالدعاية الصهيونية لفتح ملف الحرب فى جبال النوبة ولاعادة ذات الاسلوب والوسائل لإستدامة الحرب والنزاع فى السودان.
لماذا لا نصالح :
والأصوات الساذجة التى تبسط الأمور تروج أن الحكمة هى التهدئة مع إسرائيل والتماس التصالح معها تنسى أن السودان لم يكن هو الجهة التى تصعد وتعتدى لتكف . وأن الموقف السودانى رغم القناعة الاسترتيجية بإنه لاتوجد أمكانية عملية للتعايش مع الوجود الصهيونى فى المنطقة إلا ان السودان قد قبل بالموقف العربى المتوافق عليه فى الجامعة العربية بل ووافق على المبادرة العربية . بيد أن ذلك لم يوقف العمل الاسرائيلى المستمر لاستهداف السودان فى وجوده ومقدراته ودوره الاقليمى. ولقد رأينا ان الموقف المهادن والمصالح لإسرائيل لم يشتر لاصحابه سلاما حقيقيا مع اسرائيل بل إن الاستراتيجية الإسرائيلية لتفتيت وتجزئة العالم العربى تتقدم ولا تتراجع. وحتى تلك البلدان التى وقعت اتفاقيات سلام لا تزال موضع الاستهداف الاسرائيلى بل إن بعضها مثل الاردن موضوع فى الأجندة الإسرائيلية برسم الإزالة ليكون الأردن موطناً بديلاً للفلسطينين بعد اجلائهم من يهودا والسامرة لتكون إسرائيل دولة يهودية خالصة لليهود. أن الدعوة للمصالحة مع إسرائيل ليست الا أشارة على ضعف الوعى الاستراتيجى لدى طائفة من المثقفين ونقول ذلك حتى لا نتهم البعض فى ولائهم الوطنى أو القومى فلسنا ممن يرمى الآخرين بغير بينة ولا دليل .
أنتهى

تعليقات الفيسبوك