لماذا لا نصالح اسرائيل (3)

المدونة السياسية
لماذا لا نصالح اسرائيل (3)
د. أمين حسن عمر

سؤال من المهم أن تسبق الإجابة عليه الإجابة على السؤال الذي هو عنوان هذه المداخلة، وهذا السؤال هو ماذا تريد إسرائيل من السودان؟ ربما ما الذي تريده اسرائيل بالسودان ، ولعل الإستدراك الأخير هو السؤال الأكثر دقة في المسألة وما تريده إسرائيل بالسودان له علاقة وثيقة بصورة السودان في الأساطير اليهودية القديمة.وقد أشرنا الى بعض ذلك فيما سبق .

الأساطير المؤسسة للصهيونية:
ألمحنا فيما سبق إلى لمحات من تاريخ العلاقة السودانية (مع تفاوت الجغرافيا التي تشير إليها كلمة السودان أو كوش قديماً) مع الممالك العبرانية في الشرق الأوسط . وذكرنا أن جوهر علاقة الشعب التوراتي بالشعوب الأخرى في المنطقة وغيرها هي علاقة الحق الإلهي الذين يزعمون المتمثل في السيادة على الأرض بعد إفناء سكانها أو استضعافهم والهيمنة عليهم ، فبنو إسرائيل كما يزعمون هم شعب الله المختار وأرضهم التوراتية تمتد من النيل إلى الفرات . وشعوب تلكم الأرض بين خياري الإفناء أو الأخصاع. والسودان موقعه في قلب تلكم الأرض التوراتية في كوش التي تقول التوراة أنها مهد البشرية الأول حيث هبط آدم وحواء من جنة السماء إلى جنة الأرض التي تحيط أنهارها الأربعة بما فيها نهر جيحون (النيل) بأرض كوش. ويحق للسائل أن يسأل وللمتحفظ أن يتحفظ فيقول ان تلك الأساطير عفا عليها الزمان . فالعالم اليوم تجاوز عصر الأساطير الى عصر التنوير ثم إلى عصر سيادة المعرفة. بيد أن من يقول ذلك لا يعرف إلا القليل عن علاقة الصهيونية بالأساطير اليهودية التوارتية والتلمودية . وأول ما يجب ان ينُصح به هو قراءة كتاب روجيه جارودي الموسوم بالأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ، كما عليه ان يقرأ عدداً آخر من الكتب لمؤلفين يهود وغير يهود أمثال سلافوي جيجك ووالترمينلو وغيرهم وقد نشير إلى بعض كتاباتهم في سياق هذه المداخلة . ولمن يريد نصاً معرباً فننصحه بقراءة الكتاب الذي حرره جياني فاتيمو ومايكل ماردر (تفكيك الصهيونية نقد ميتافزيقيا سياسية) والذى قام بتعريبه عادل حسن وهناك كتاب مهم لم يعرب بعد هو كتاب
The Idia of Israel : history of power & knowledge
Ilan Pappe
فكرة إسرائيل : تاريخ قوة ومعرفة – المؤلف ايلان بابي
وبخلاف ما يوحي به عنوان الكتاب فهو نقد عميق للفكرة الصهيونية وتفكيك دقيق لعلاقتها بالأساطير اليهودية القديمة. وقد تبلورت هذه الاتجاهات الناقدة للصهيونية فيما عُرف فى سرائيل بمدرسة المؤرخين الجدد الذين شرعوا في كشف زيف التاريخ الرسمي لدولة إسرائيل وللحركة الصهيونية. وقد تطرق بعض هؤلاء صراحة لخطة أخلاء أرض التوراة المسماة بالترانسفير . ومن هؤلاء بيني موريس الذي كتب كتاباً بعنوان “تصحيح خطأ اليهود والعرب في اسرائيل 1936- 1956″ والكتاب مداخلة نقدية لفكرة التهجير ( الترانسفير) في الايدولوجيا الصهيونية وذلكم من تلقاء هرتزل إلى بن غوريون . وكاتب اسرائيلي آخر هو نجمان بن يهوذا قام بتفكيك أسطورة (قلعة الماسادا )التي تعول عليها الصهيونية في إبراز بطولات المناضلين من أجل مجد إسرائيل ليقتدي بهم رواد الحركة الصهيونية . ولا تزال أسطرة الماسادا تستخدم لحفز العصابات الصهيونية في حربها لإفناء أو تهجير أو أخضاع الاغيار . وقمين بالباحثين العرب ان يجتهدوا في تعريب تلكم النصوص وتعريف القراء العرب بها وبالتيارات الجديدة في الاكاديميا الاسرائيلية وبخاصة تلكم التي تعمل في مجال نقد المقولات التاريخية المؤسسة لفكرة إسرائيل.
ماذا تريد إسرائيل بالسودان:
وعوداً على بدء المقال وللاجابة عن السؤال ماذا تريد إسرائيل بالسودان نطالع بعض ما قاله وما كتبه ساسة اسرائيل فيما يخص السودان. ولعلنا أشرنا فيما سبق إلى أن جنوب السودان وشمال يوغندا كان من المناطق التي إقترحت لإنشاء نواة دولة إسرائيل . والاختيار نفسه يشير إلى أسطورة الأرض التوراتية من منابع النيل إلى منابع الفرات . وكان يُظن إن إقامة دولة يهودية في تلكم المنطقة النائية في أطراف الأرض التوراتية هو أمر يمكن تحقيقه بسهولة . ذلك لقلة السكان وتخلف حياتهم وانقسامهم القبلي من ناحية ومن الناحية الأخرى طمعاً في الموارد الهائلة التي لم توضع عليها الإيادي بعد . وأهم من ذلك كله لوضع اليد على نهر النيل ” نهر جيحون” في الأسطورة التوراتية. فالثروة المائية هي الثروة الأبقى . وهي في ذات الوقت الحبل الذي يمكن أن يخنق به أعداء إسرائيل في كوش ووادي النيل الأسفل. ومن ظن أن أطماع إسرائيل في السيطرة على نهر النيل قد ولت أيامها فهو غافل. فجوهر الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه السودان لصيق العلاقة بالإستراتيجية المائية لإسرائيل . وتفكيك السودان لإنشاء دويلات ضعيفة في جنوبه وشرقه وغربه هدف إستراتيجي لإسرائيل . فدولة ضعيفة في جنوب السودان تمكن للمشروعات النيلية جنوباً ودويلة ضعيفة في شرق السودان مع المسعى لتفكيك أثيوبيا أو تحويلها الى حليف تمكن إسرائيل من تحقيق مشروعاتها النيلية على النيل الأزرق . إن تفكيك الممالك وتهجير الشعوب هي صناعة إسرائيلية عريقة . وهي خطة لا تسأم اسرائيل ولا تيأس أبداً من السعي لتحقيقها . فتدمير الممالك وأفناء الشعوب هدف توراتي يجعل الشتات قدراً للاغيار وفشل إسرائيل في تحقيقه يجعل الشتات قدراً لشعبها المختار. واستراتيجية إسرائيل في تجزئة العالم العربي الذي يمثل غالب أرض التوراة تعتمد على تقريب الأقليات العرقية والأثنية والدينية وتحريضها على من تصنفهم عرباً. فهم الأعداء في كل الأحوال سواء ناصبوها العداء أم اعترفوا بها وسعوا إلى صداقتها . فهم في كل الأحوال أشواك في عين إسرائيل ومناخس في خاصرتها. والسودان كان أكبر الأوطان العربية من حيث المساحة وأهمها من حيث علاقته بالمصادر المائية في النيلين الأزرق والأبيض . وهو فوق ذلك العمق الإستراتيجي لأكثر الأوطان العربية سكانا وأقدرها على مناجزة المشروع الصهيوني . ولذلك فقد بنُيت الإستراتيجية الصهيونية تجاه السودان على الرؤية البريطانية التي جعلت مناطق الأقليات العرقية في جنوب السودان وشرق السودان وغرب السودان مناطق ممنوعة من التفاعل مع بقية القطر من خلال “قانون المناطق المغلقة” . فجنوب السودان كان يمثل الجزء الأكبر من هذه المناطق ومنطقة جبال النوبة حيث تُسعر الحرب هنالك حتى بعد اتفاقية السلام هي المنطقة الثانية والمنطقة الثالثة هي منطقة جنوب النيل الأزرق في شرق البلاد وهي منطقة عمليات عسكرية عدائية ضد السلطة المركزية كما هى أقرب الأنحاء منابع النيل الأزرق ثم منطقة كتم في غرب السودان والتي أنطلق من تلقائها التمرد لأول وهلة في دارفور . هل كانت هذه مصادفة أن ينطلق التمرد في ذات المناطق المغلقة (Closed districts ) الغافل وحده من يظن ذلك . هل كان ذلك الأمر تواطؤاً إستعمارياً من الدولة التي منحت وعد بلفور لمؤسسى الدولة العبرية أم أن إسرائيل ورثت مناطق الهشاشة التي أعدتها السياسة الإستعمارية؟

مهمة الموساد في السودان
طائفة من الناس تحب أن تصدق من الروايات ما يدعوها للطمانينة وفريق من هؤلاء من يريد أن يصدق أن إسرائيل لا تكن عداء للسودان إلا في مقابل العداء الذي تبديه حكوماته تجاه الدولة العبرية . فاذا تغيرت السياسة من هنا تغيرت من هناك . بيد أن هذا الزعم لا تصدقه المصادر الإسرائيلية التي تتحدث عن سياسة اسرائيل تجاه السودان. ومن أحدث الكتب التي تتحدث صراحة عن علاقة الدولة العبرية بالسودان كتاب “مهمة الموساد في جنوب السودان” وهو يكشف صراحة دور الموساد في تمرد جنوب السودان من زمن الانانيا إلى الحركة الشعبية .ومما يدعو للاستغراب كيف سمح الموساد لنشر هذا الكتاب رغم عدم سماح إسرائيل برفع الغطاء عن وثائق تخص العلاقة مع العالم العربي مر عليها أكثر من خمسين سنة . ربما لأن دور الموساد معروف في جنوب السودان ومكشوف . وربما أراد الموساد التباهي بانجازه وانتصاره بعد اختيار الجنوب الانفصال عن الشمال. والكتاب يتباهى بدور ضابط الموساد ديفيد بن عوزنيل في عمليات توجيه وتدريب وتسليح متمرد الانانيا ثم الحركة الشعبية من بعد. ولم يغفل الكتاب الاشارة المهمة إلى كلمة أول سفير لدولة جنوب السودان لدى إسرائيل والتي يقر فيها ويقرر أن دولته ما كانت لتؤسس لولا إسرائيل . والكتاب يشير صراحة أن فصل جنوب السودان يستكمل دائرة الاحاطة بالعالم العربي بدول ليست صديقة للعرب وكلها تقيم علاقات مع اسرائيل . والكتاب يشير إلى أسماء ضباط إسرائيليين آخرين عملوا طويلاً مع حركات التمرد في جنوب السودان وأشهرهم إيلي كوهين . ولعله صاحب كتاب تقسيم السودان الذي يتحلى بخارطة للسودان تقسمه إلى غرب ووسط وشرق وجنوب ويتباهى الكتاب بإن إسرائيل قد أمدت التمرد في جنوب السودان باسلحة وألبسة من غنائم حرب 1967. ويكشف إستراتيجية التعامل مع الأقليات الأثنية بقول ” أن اسرائيل قد استخدمت المقارنة بين إضطهاد الأقليات الأثنية في السودان بما حدث لليهود من إضطهاد عبر التاريخ” . لاشك أن كتاب دور الموساد في جنوب السودان جدير بالتعريب وإعادة النشر في السودان ليذهب الشك عن كل مشكك في إستراتيجية إسرائيل لتدمير السودان .

نواصل ،،،،

تعليقات الفيسبوك