ما بعد أزمة الحركة

محمد محمد خير

وَضَح لي خلال الأزمة التي تمرُّ بها الحركة الشعبية – شمال أن النظر الاستراتيجي اتّسع للغاية، سواءً في صفوف الحكومة أو حلفاْء الحركة الشعبية؛ فمعظم العاقلين في الصف الحكومي نظروا للأزمة من واقع تحقيق السلام، لذا لم يقابلوا خطاب الحلو بالشماتة الكافية، ولم يُبْدِ أيّ أحدٍ حماسةً للانقسام لأنه من شأنه تعطيل العملية السلمية برمتها، والاضطرار إلى الدخول لمربع جديد تختلف مفرداته ولغته عن المربع الذي باتت قضاياه معروفة ولغته مفهومة وخلافاته، رغم اتساعها، إلا أنها قابلة للجَبْر بالحوار. غير أن ما لَفَت نظري خلال الأزمة التي ما تزال تجري، الغبن الواضح والمنفلت تجاه ياسر عرمان، ليس من قبل الحكوميين وإنما من قبل أحبابه من المنضويين للسودان الجديد؛ فقد كانت كل سهام تلك الكتابات التي طالعتها مصوبة باتجاهه حصراً بما جعلني أندهش، لأنني أعرف ياسر عن قربٍ شديد، فهو رجل تَفَرَّغ بكلياته لهذا الشعار وسَلَخ كل سني عمره ليرى ثماره لكنه الآن في وضع لا تتمناه (لأي أخو)؛ اتهامات بالدكتاتورية وجملة من الاتهامات الأخرى التي تمر بالأنانية وحبّ الذات، وتخترق النزاهة ثم تستقر في المطالبة بإبعاده كلِّياً عن مشروعٍ تَبَنَّاه .
وبرز كتابٌ جُدد لم يسبق لي قراءة أيّ مساهمات لهم، لكنهم بيَّنوا لي معالم لم أَرَهَا من قبل تتصل بالبناء الديمقراطي في الحركة، وكيف حَوَّل ياسر دستور الحركة كله لمصلحة زعامته التي تتخذ بعداً تاريخياً لا يقبل التبديل والتداول والشفافية ولا المساءلة، في تقليد غير متناسخ لقائد الحركة جون قرنق .
بدا لي أن مشكلة ياسر الرئيسة أنه يقلِّد قائداً لا يملك إمكاناته، على الأقل في تعبيره العرقي المنطلق منه، ذلك لأن بعض كتابات خصوم ياسر من النوبة انطلقت من كونه (جلابي وعربي)، ثم أنعمت عليه بصفة المركزي نسبة للمركز .
هذه التطورات تُشير بوضوح إلى أن قواماً مؤثراً في الحركة الشعبية بات في حِلٍّ عن حَلٍّ يأتي في إطارٍ قومي  بدفع ومثابرات من خارج الصف الإثني، وبدا هذا الاتجاه ساطعاً في معظم المقالات التي طالعتها الأسبوع الماضي، والتي حملت معنىً واحداً هو رغبة هذا التيار في التفاوض بالأصالة الإثنية وليس الحل الشامل الذي يتبناه ياسر، ويلف حوله بعض المتحالفين، بل إن بعض المقالات حَمَّلت بعض الحلفاء قدراً من المسؤولية التاريخية في تصاعد أزمة جبال النوبة.
لكن الأزمة في جانب منها أبرزت ياسر كوحدوي يحرص على حل سياسي تصطف حوله الأحزاب والقوى الأخرى، وتقدم الحكومة التنازلات الكفيلة بتحققه، وتلك هدية قدمها له الحلو بتبنيه حلاً عدمياً لا يمكن وصفه إلا بالانكفائية. وفي تقديري أن التعارض الجذري بين موقفي ياسر والحلو هو الذي حَبَس سهاماً أخرى من كنانات عديدة.