محافظ بنك السودان الأسبق د. صابر محمد الحسن (2. 2)

رفع العقوبات لا يحل مشكلات السودان الاقتصادية

لا بد من إصلاح ضريبي وجمركي يوفّر موارد

أنا مع تحرير سعر الدولار بشروط

ظل الخبير الاقتصادي، ومحافظ بنك السودان المركزي السابق صابر محمد الحسن، لعدة دورات بعيداً عن الإعلام منذ إزاحته عن القطاع الاقتصادي بالمؤتمر الوطني، بعدها توارى الرجل عن المنصات الإعلامية مفضّلاً الانزواء بمكتبه الفخيم ببرج الساحل والصحراء قربياً من الاقتصاد الحر، وليس بعيداً عن الاقتصاد الحكومي من خلال تقديم الاستشارات والحلول.

في هذه الإطلالة يشرح (بانكر) الحسابات والأرقام مستقبل الاقتصاد السوداني ما يترتّب عليه بعد رفع العقوبات الأمريكية، عطفاً على تناوله مسبّبات الحصار وكيفية الصمود في وجهه في أيامه الأولى، حينها كان الرجل فاعلاً في المشهد السياسي، وكانت كثير من القرارات الاقتصادية تخرج من مطبخه الخاص.. فإلى مضابط الحوار.

صحيفة الصيحة: حوار.. عاصم إسماعيل ــ عبد الرؤوف طه ــ تصوير محمد نور محكر

*ما هو المطلوب لإعفاء الديون الخارجية؟

– مطلوب أن تكون هنالك سياسات اقتصادية راشدة، والالتزام بمعاملة كل الدائنين بطريقة خاصة، والالتزام بعد الإعفاء أن تُوظّف الأموال المُعفاة في تحسين الوضع المعيشي ومحاربة الفقر. هذه هي متطلبات إعفاء الديون الخارجية عطفاً على استيفاء الشروط المتعلقة بالعقوبات.

* الشاهد في الأمر أن سعر الدولار شهد هبوطاً اضطرارياً بعد رفع العقوبات ثم عاود الصعود مرة أخرى؟

– ارتفاع وهبوط سعر الدولار ليس مرتبطاً برفع العقوبات بل بمشاكلنا الداخلية.

* بمعنى رفع العقوبات لا يؤثّر على سعر الدولار واستقراره؟

– رفع العقوبات يخلق مناخاً مناسباً للاقتصاد السوداني، ولكن لا يحل مشاكلنا الاقتصادية.

* ماذا تقصد بخلق مناخ اقتصادي بعد رفع العقوبات؟

– بمعنى عملية رفع العقوبات تساهم في دخول المستثمرين الأجانب وتساهم في التدفقات الاستثمارية عطفاً على دخول المغتربين بأموالهم في الاستثمارات.

* بمعنى سعر الدولار واستقراره مربوط بالسياسات الاقتصادية؟

– نعم، لأن سياستنا الاقتصادية بها بعض المشاكل .

* مشاكل مثل ماذا؟

– سياسات وزارة المالية بها مشاكل كبرى.

*نأخذ نموذجاً؟

– هنالك مشاكل في الإنفاق الحكومي، لأنه مُترهّل، ولابد أن يُرشّد وأن يكون حسب الأولويات وأن يمضي وفق الموازنة الموضوعة، وأن توظف الأموال في التنمية بدلاً من الصرف الجاري .

* ما هو المطلوب من إصلاحات؟

– يجب أن يكون هنالك إصلاح ضريبي وجمركي يوفّر موارد، ويجب ألا يكون هنالك تمويل بالعجز وبالحجم الكبير الموجود حالياً، لأنه يخلق مشاكل، هذه إصلاحات مطلوب أن تقوم بها وزارة المالية.

ـ ماذا عن السياسات النقدية؟

سعر الصرف يومياً متأرحج، وهنالك أكثر من خمسة أسعار صرف، والمهم استقرار سعر الصرف، وليس بالضرورة أن يكون ثابتاً، وكذلك يجب الاستقرار في معدلات الأسعار، لأن المستثمر لا يعمل في بيئة غير مستقرة، ويجب أن يكون هنالك جهد لخلق مناخ إيجابي.

*إلى أي شيء تعزو ارتفاع سعر الصرف؟

– جزء من ارتفاع سعر الصرف يعكس حقائق اقتصادية وجزء مضاربة وإشاعات.

* بمعنى أن الهبوط في سعر الدولار مع رفع العقوبات يتعلق بالجزئية المربوطة بالمضاربة والإشاعات؟

– نعم، النزول في سعر الدولار في أيام رفع العقوبات الأولى، يرجع لكثرة الإشاعات، والحديث عن تدفّقات مالية، ودخول مستثمرين، ثم يعود الدولار لسابق عهده، لأن المناخ الذي خُلق لم يستمر طويلاً بعد عدم ظهور المستثمرين ودخول المغتربين .

* إبان فترتك في بنك السودان فشلتَ في توفير احتياطي نقدي؟

– ليس صحيحاً، بل كان هنالك احتياطي نقدي.

*لم يكن واضحاً أو ملموساً؟

– ذهب الاحتياطي بسبب ذهاب البترول.

*على ذكر البترول، يقال إنه وفّر احتياطياً كبيراً؟

– لم يكن احتياطي البترول بالضخمة الكبرى، صحيح كانت هنالك موارد، جزء منها صُرف في بنيات تحتية عائدها على المدى الطويل مثل الطرق والكباري والسدود.

* ماذا عن القطاعات الأخرى؟

– في حالة توظيف جزء من تلك العائدات البترولية في القطاع الزراعي وتحسين الإنتاجية في القطاع الصناعي والزراعي، يمكن أن يكون له عائد أكبر.

* أين ذهب ما تبقَّى من عائدات البترول؟

– ذهب جزء منها في اتفاقيات السلام، وجزء صُرف على مشاريع بنيات تحتية، وجزء كان ضمن الاحتياطي النقدي، ولكن صُرف بصورة أدَّت لتناقصه في ظل عدم وجود ما يدعم الاحتياطي النقدي.

* ما هو مستقبل الاستثمار الأجنبي في السودان بعد رفع العقوبات؟

– المناخ الحالي جيد جداً، ويدعو للتفاؤل، ولكن المطلوب إصلاح سياستنا الاقتصادية، وتحسين المناخ الاستثماري بصورة أفضل.

* ماذا تقصُد بتحسين المناخ الاستثماري؟

– تغيير الروتين الحالي في الاستثمار، لأنه ساهم في طرد كثير من المستثمرين، وتحقيق استقرار اقتصادي في سعر الصرف، وإذا تمَّ ذلك، أتوقَّع دخول مستثمرين للسودان، ويمكن أن تُوجَّه طاقُتنا الاقتصادية بصورة أفضل.

* هنالك موارد يمكن أن تُساهم في دفع الاقتصاد بصورة قوية في الفترة القادمة؟

– نعم، مثل الذهب، لأن العائد منه مُقدَّر جداً.

* بمعنى خلق صادرات سودانية تُساهم في استقرار الصرف؟

– نعم، الصادر يُمكن أن يحل مشكلة سعر الصرف، ولكن الصادر وحده لا يحل مشكلة الصرف، إلا بمعاونة عدد من الأشياء.

* أشياء مثل ماذا؟

– تنظيم الموارد، وتغييرالسياسات المالية والسياسات النقدية، كل هذه الأشياء مع بعض يمكن أن تدعم سعر الصرف، وسعر الصرف نفسه يمكن أن يدعم مشروع الاستقرار الاقتصادي وإيقاف التضخم.

* البعض يتوقع أن تكون الميزانية القادمة خالية من العجز وأقرب للميزانية الصفرية؟

– المُوجِّهات التي صدرت حول ميزانية العام القادم تعتبر موجهات إيجابية، وأنا مُتفائل أن تكون ميزانية جيدة إذا وُضِعت حسب الموجِّهات المطروحة، وإذا طُبِّقت بصورة تنفيذية ستكون خطوة نحو الإصلاح.

* خطوة نحو الإصلاح؟

– نعم، ولكن الإصلاح لا يتم عبر ميزانية واحدة، ولكنه يحتاح لعامين ثلاثة، صحيح قد يُحدِث تحسُّناً، ولكن سيكون بصورة أفضل بعد مرور عامين، وأتوقع أن تكون ميزانية 2018م بداية للإصلاح.

* كيف تنظر لحديث البعض عن تحرير سعر الصرف؟

– لا يوجد أي سعر صرف حر في الدنيا، حتى الدولار ليس حراً، بل هنالك جهة تُراقب ذلك، وتنظر لسعر الدولار.

* هل أنت مع تحرير سعر الصرف؟

– بشرط أن تكون حرية مُنظّمة ومُراقَبة، وسعر الصرف به جُزءان منها المضاربات، ولا يمكن أن أترك لأصحاب المضاربات الحرية التامة، وهنالك جزء متعِّلق بالحقائق الاقتصادية، بالتالي لابد أن تسمح لسعر الصرف بحرية الحركة والمرونة الكافية لعكس الحقائق الاقتصادية.

* إذاً أنت تؤيد تحرير سعر الصرف؟

– إذا كانت الحقيقة الاقتصادية تستدعي تحرير سعر الصرف فلا مانع من تحريره، ولكن في ظل وجود المضاربات يجب تنظيم سعر الصرف ليس بالقوة أو بالأمن بل عبر السياسات المالية والنقدية والتجارية، وكذلك عبر العلاقات مع المصارف المراسلة، ومع المصارف المحلية .

* عفواً.. البعض يُشدِّد على الحرية المطلقة لسرعة الصرف؟

– حرية مطلقة لسرعة الصرف دون أي تدخل لا توجد في كل الدنيا.

* كيف تنظر للسعر التأشيري الذي يصدر من بنك السودان؟

– هو سعر غير حقيقي، ولكن يمكن أن يُحوَّل لحقيقي.

* كيف عرفت أنه غير حقيقي؟

– لأن بنك السودان يريد أن يكون السعر التأشيري غير حقيقي.

* هل يمكن أن يكون حقيقياً في يومٍ ما؟

– يُمكن أن يكون السعر التأشيري حقيقياً، وكان في فترة ما سعراً حقيقياً، وكانت البنوك تتعامل مع الصرافات بنوع من المرونة، ويتم إجراء حسابات تضريبية لسعر اليوم السابق، من ثم خلق وزنة لحجم المعاملات، ومن ثم إخراج المتوسط، ويُعلن السعر التأشيري، ومن ثم ترسله للبنوك، وعلى إثر ذلك تتعامل البنوك .

* ماذا عن التأشيري الحالي الذي يضعه بنك السودان؟

– التأشيري الحقيقي هو ما ذكرته لك آنفاً، ولكن بنك السودان يقوم (بقطع سعر تأشيري من راسه) وهذا غير صحيح.

* ماذا عن الحافز النقدي؟

– الحافز نفسه توَّقف.

* لماذا توقّف الحافز النقدي؟

– لأن بنك السودان لم يلتزم به، ويجب أن يكون هنالك حافز يومي.

*استقرار سعر الصرف هل يمكن أن يساعد في جلب ودائع المغتربين؟

طبعاً بلا شك، ولكن وجود أسعار مختلفة وغير مستقرة بالتأكيد لا يساهم في جلب أمر نافع، ويساهم في مضاربات السوق الأسود، إذا اكتُشف أن السعر التأشيري غير حقيقي.

* وزير المالية قال ودائع المغتربين ستكون داعماً للاقتصاد السوداني؟

– لا يمكن التعويل على ودائع المغتربين دون تصحيح السياسات الاقتصادية، ولا يمكن لمغترب أن يببع أموالاً بمقابل 15 جنيهاً لسعر الدولار، في حين أنه يوجد بالسوق الأسود بـ 20 جنيهاً لا يوجد شخص يفعل ذلك.

* كيف تنظر لطريقة بنك السودان في شراء الذهب؟

– طريقة بنك السودان في شراء الذهب لها تأثير في سعر الصرف، لأن سعر الذهب المحلي له علاقة مباشرة بسعر الصرف، لأن التجار لا يتوقفون عن المضاربات، سعر الذهب بعملة الدرهم ثابت، وبنك السودان يتنافس مع التجار في سعر الذهب عبر رفع سعر الذهب.

*وزارة المعادن قالت إن الذهب المُهرَّب أكثر من المُستفاد منه؟

– سبب التهريب منع المواطن من التصدير وشراء الحصيلة بسعر غير معقول، وفرض سياسات غير واقعية وتعرض المواطن لمضايقات.

*مشكلة متقاعدي البنوك؟

– لا توجد مشكلة لدى متقاعدي البنوك، بل هي مشكلة مُصطنعة وكفى.