مركزو كوكو: عقار أمام خيار التخلي عن عرمان أو الانتحار معه

عرمان يسعى لإيصال اليسار للسلطة على جثث أهالي جنوب كردفان
يجب التعامل مع طرح الحلو لتقرير المصير بكل جدية
عرمان انتهى تماماً بين أبناء النوبة وسقط سقوطاً مدوياً
حوار: الطيب محمد خير- الصيحة
قال والي جنوب كردفان الأسبق، النائب البرلماني، وعضو وفد الحكومة لمفاوضات المنطقتين، اللواء (م) محمد مركزو كوكو، إن الأزمة التي نشبت أخيراً في صفوف الحركة الشعبية – شمال، وضعت رئيس الحركة، مالك عقار، أمام خياري الاحتفاظ بعرمان وفقد حلفائه من أبناء جبال النوبة أو فصل قضية المنطقتين (جبال النوبة والنيل الأزرق) لمسارين، مرجحاً التضحية بعرمان وانفراد عقار بقيادة الحركة.

وأبدى مركزو في حواره مع “الصيحة” تفاؤلاً بحدوث انفراج في التفاوض بعد خروج عرمان، لكنه عاد وقال إن الوقت لا يزال مبكراً للقول إن أبناء النوبة قد أمسكوا بملف قضيتهم كاملاً.

هذا وغيرها من القراءات والتحليلات حول أزمة الشعبية، يقدمها مركزو من على منبر “الصيحة”.

ــــــ ما تحليلك كخبير عسكري للأوضاع داخل الحركة الشعبية ــ شمال؟

ما شهدته الحركة الشعبية من انفجار في الأوضاع نتاج طبيعي لرفض سيطرة وتغوّل اليسار وتحديداً ياسر عرمان على مفاصل الحركة، وتوجيه مسارها لصالحهم وجعلها حاضنة لأجندتهم لتحقيق أهدافهم وإغفال الهدف الرئيسي الذي من أجله رفع أبناء النوبة والنيل الأزرق السلاح، جراء الظلامات التاريخية التي شهدها أهل هذه المناطق في جنوب كردفان ممثلة بجبال النوبة، وذلك باعتراف كل الحكومات منذ الاستقلال وحتى الإنقاذ، وتم الاعتراف بها ويجري العمل على إزالتها، لكن مجموعة اليسار في الحركة اختطفت هذه القضية واتخذتها مطية يستخدمها اليسار كرت ضغط ومساومة في إطار القضايا القومية لتحقيق أهدافه.

ـــــــــ برأيك ما الذي مكَّن اليسار من السيطرة على الحركة في ظل الصمت والضعف الذي يظهر من قِبل أهل القضية؟

ياسر استخدم أساليب وحيلاً أبعد بها كل القيادات الصلبة ولها تاريخ من أبناء النوبة خاصة المؤثرة والمتعلمين الذين يحملون شهادات فوق الجامعية وحتى المتعاطفين مع القضية من الأكاديميين، وحتى الذين شغلوا مناصب وزارية في الفترة السابقة، ياسر أبعد كل هؤلاء وانتقى البسطاء والذين يدورون في فلكه ممن يسخرهم لخدمة أجندته في المفاوضات لتحقيق هدفه إيصال اليسار إلى سدة الحكم على حساب قضية جبال النوبة، وهذا ما انتبه إليه أخيراً أبناء النوبة في تعاطي عرمان مع قضيتهم. ـــ هل أبناء النوبة يعيشون أزمة قيادة في مستوى التصدي لياسر وتطلعاته؟

الحركة مليئة بالقيادات والكوادر المؤهلة من أبناء النوبة والأكثر خبرة وأقدمية من ياسر داخل الحركة مثل رمضان حسن، وتلفون كوكو، وإسماعيل خميس جلاب، ومنهم من انسحب مثل دانيال كودي، والبقية فضَّلت الوقوف على الرصيف ما أخلى المجال لياسر لينفرد بالسيطرة على الحركة يبث فيها الأفكار والأهداف اليسارية، وهذا ما دفع هؤلاء الناس ليقوموا بهذه الثورة أو ردة الفعل بعد أن تأكد لهم أن حل قضيتهم أصبح رهين تحقيق أهداف اليسار في الوصول لكرسي الحكم، لذلك ليس مستغرباً أن يأتي قرار مجلس التحرير بإزاحة ياسر عرمان، وفي نفس الوقت رفض استقالة الحلو، وأقول إن الحلو نفسه إن لم يبدِ جدية على طاولة التفاوض سينتهي لمصير عرمان.

ــ هل إزاحة عرمان من التفاوض مؤشر من الميدان بالتحوّل تجاه السلام؟

هذا يعتبر تحوُّلاً كبيراً داخل الحركة باتجاه إنهاء الحرب بدليل أن الحركة فتحت المعابر للمواطنين بالعبور إلى مناطقها بعد أن كانت تحتجزهم طوال الفترة السابقة كدروع. وبعد الذي حدث هناك هجرة عكسية مكثفة للمواطنين القادمين من مناطق الحركة وأنا عدتُ من الولاية قبل أيام، هذا لم يكن موجوداً من قبل للمواطن الحق في العودة والتنقل خارج مناطق سيطرة الحركة، وهذا ما كانت تنادي به الحكومة في أن تكون للمواطن حرية اختيار مكان إقامته.

ـــ بِمَ تفسر رفض رئيس الحركة مالك عقار قرارات مجلس تحرير جبال النوبة؟

رفض عقار قرارات مجلس تحرير جبال النوبة بإبعاد عرمان من قيادة الحركة وملف التفاوض أشبه بالسباحة عكس التيار، وبهذا يكون عقار وضع نفسه أمام خيارين، إما أن يتراجع عن قراره ويكسب تأييد أبناء النوبة كأكبر كتلة داخل الحركة وإما سينتهى كما انتهى عرمان، وبنهاية عقار يكون أبناء جنوب كرفان قد أمسكوا ملف القضية وأصبح تحت تصرّفهم.

ــ إلى أي مدى يمكن أن يكون ذلك بداية للفصل بين ملفي المنطقتين داخل الحركة؟

هذا يتوقف على حكمة مالك عقار في تعامله مع الأزمة باعتبار أبناء جبال النوبة يمثلون العمود الفقري للحركة، ولو فقدهم تكون نهايته، لأن الحركة في النيل الأزرق تعيش حالة موت سريري في جيب صغير على حدود الجنوب والقوة المقاتلة في الحركة هم أبناء جنوب كردفان، لذلك تجده مجبراً على مسايرة قرارات مجلس تحرير جبال النوبة.

ــ هل يمكن أن نعتبر أبناء جنوب كردفان تسلموا زمام التحكم في ملف قضيتهم؟

لا أعتقد ذلك، لأـن الوقت لا يزال مبكراً حتى نقول إن مفتاح التحكم في ملفهم قد أصبح بيدهم تماماً، على الأقل لحين حسم موقف مالك عقار، وهذا يجعلنا نتساءل هل تأثير مالك بموقفه الرمادي باعتباره رئيس الحركة التي تضم المنطقتين أم تم فصل مسار قضايا المنطقتين كما لوح بذلك عقار بأنه سيفصل قضية النيل الأزرق عن جنوب كردفان أم هذا تكتيك من عقار ولا أعتقد سيفعل لأنه سيفقد القوة العسكرية والجناح الأقوى الذي يتكئ عليه في الحركة.

ــــ نفهم أنك مع الذاهبين إلى كون عرمان خارج دائرة الفعل في الحركة؟

من واقع القناعة التي رسخت لدى أبناء النوبة أن ياسر يتاجر ويناور بقضيتهم بسعيه إطالة أمد الحرب ما دفعهم لمناصبته العداء وإخراجه من دائرة الفعل والتحكم في مسار الحركة خاصة في جبال النوبة، أما النيل الأزرق فقد يأخذه عقار معه من باب حفظ ماء الوجه لكن في قضية جبال النوبة قد انتهى تماماً ولم يعد له وجود.

ـــ كيف تقرأ الانقسام في مجلس جبال النوبة حيال ما حدث؟

هذا أمر متوقع، وبالتأكيد لن يكون هناك إجماع لأن هناك مستفيدون من ياسر عرمان بحكم وجود مقربين له من أبناء النوبة مثل مبارك أردول الناطق الرسمي الذي حسب المعلومات الواردة يحزم متاعه للهجرة إلى فرنسا لطلب اللجوء والانزواء هناك، وهذا يعني أن القلة التي حول عرمان بدأت تنفض عنه.

ــ ما صحة وجود آصرة بين عرمان واليسار السوداني؟

أولاً، ياسر غير جاد وغير متحمس لإنهاء الحرب وما إن يصل الناس لمراحل متقدمة في التفاوض يطرح عقبة تعيدهم لنقطة الصفر، مرة بطلب الاحتفاظ بالجيش، ومرة بالحكم الذاتي وتارة بالحديث عن مشروع الجزيرة ومتضرري السدود بخلط متعمد للقضايا المطروحة للتفاوض في المنطقتين مع القومية، كل هذا لأنه لا يطأ جمرة الحرب، الآن المفاوضات في جولتها الـ(15) وهي دائرة في حلقة مفرغة، وياسر هدفه مكشوف يريد أن يوصل اليسار إلى كرسي الحكم على جثث أهل جنوب كردفان، لذلك تجده يراهن على إسقاط النظام، وظل يراوغ ليحقق حلمه السودان الجديد، حتى دارت عليه الدائرة، والتفّت حبال ما نسجه حول رقبته وانتحر سياسياً وتنظيمياً.

ـــ الى أي مدى يمكن أن يكون الحلو الخيار الأفضل لأبناء النوبة؟

الحلو إن سار على درب ياسر في التمسك بالحرب سيكون مصيره ذات مصير عرمان، لأن السواد الأعظم من أبناء النوبة سئموا الحرب، ووصلوا لقناعة أن صوت قضيتهم أصبح مسموع والدولة والمجمتع الدولي أصبحا على قناعة بضرورة العمل على الإجابات لمطالبهم والدولة الآن أصبحت على قناعة بأن هناك قضية وتسعى لحلها بدليل جولات المفاوضات الكثيرة التي أجرتها وإعلانها أكثر من مرة وقف إطلاق النار من طرف واحد، كل هذا يؤكد جدية الدولة في إنهاء مسببات الحرب وحقن دماء مواطنيها.

ــ طرح الحلو تقرير المصير أهو تكتيك أم إستراييجية؟

طرح تقرير المصير قد يكون مناورة من الحلو لرفع سقف التفاوض للحصول على مطلوبات أكبر، لكن ما أعرفه أن أغلب أبناء النوبة في الحركة تقرير المصير ليس من مطالبهم أو سقفاً لطموحاتهم التي تنحصر في المشاركة العادلة في السلطة والتوزيع العادل للثروة والتنمية المتوازنة مصحوبة بمنح المنطقة تمييزاً إيجابياً للحاق ببقية الولايات في التنمية، وأضيف أن انتشار أبناء جبال النوبة في أصقاع السودان مؤشر ورسالة تقول بأنهم أصلاء في هذا السودان، ومن رابع المستحيلات انفصالهم، وهم أهل حق فيه، ولهم مظالم اعترفت بها الدولة، ويتعجلون حلها، وهم كرهوا الحرب بدليل هذا الحراك الأخير الذي أقصى دعاتها.

ــ لكن علينا أن نأخذ هذا الطرح بشكل جدي مخافة تكرار سيناريو انفصال الجنوب؟

علينا في جانب الحكومة أن نتعامل مع طرح تقرير المصير بجدية وألا نتعامل معه برؤية قاصرة بحسبانه مناورة، لأنه قد يتطور ويصبح مطلباً جاداً في ظل عدم الاهتمام بتحقيق العدالة في توزيع التنمية والمشاركة الحقيقية في السلطة وغيرها من المطالب التي أشرت إليها بأنها تمثل سنام اهتمام أبناء النوبة، حتى لا يتكرر ما حدث مع الجنوب الذي كان غير متوقع انفصاله، لكن في ظل التقلبات الدولية في الإقليم تحول الانفصال من مناورة لرغبة لأهل الجنوب وتحولت لكارثة لهم، لذلك هذا المطلب يجب أن نأخذه على محمل الجد، ونتعامل معه بالغوص في جذور المشكلة وتحليلها والعمل على معالجتها مع كافة الأطراف بأعجل ما يكون، علاوة على سد كافة الثغرات.

ـــ هل تتوقع الوصول إلى تسوية سلمية في جولة المفاوضات المقبلة؟

الآن مجلس تحرير جبال النوبة عزل ياسر من رئاسة وفد التفاوض، لكن لا أحد يمكن أن يتوقع ماذا سيحدث لأنه حتى الآن لم يشرع في تحديد من سيفاوض عن المنطقتين. هل سيكون وفق ما قرره مجلس التحرير وهو الآن يسعى لتكوين وفد جديد للتفاوض، أم إعمال ما قالت به القيادة العليا ممثلة في مالك عقار باستمرار ذات الوفد.

الحلو الآن انشق، وتبقى مالك وعرمان ومجموعات قليلة تتبع لهم، لكن أتوقع أن تكون الغلبة لمجلس تحرير جبال النوبة بحكم أن غالبية مناصريه من أهل القضية الذين يشكلون ميزان القوة داخل الحركة.

ـــ على ضوء ما ذكرت هل يمكن أن يقدم عقار ياسر عرمان كبش فداء مقابل كسب جانب النوبة وأهل جنوب كردفان؟

لحد كبير يمكن أن يتخلى عقار عن ياسر لأن عقار أمام خيار إما أن يفصل قضية جنوب كردفان ويقود النيل الأزرق لأجل الحفاظ على عرمان أو يقدم ياسر كبش فداء وينحره، ويتولى قيادة الحركة الشعبية شمال منفرداً، وأتوقع أن يختار عقار التضحية بعرمان لأن خسارة جنوب كردفان انتحار لهما، وعقار بالتأكيد لا يمكن أن ينتحر لخاطر عرمان الذي فقد كل مقومات وجوده في الحركة بعد أن لفظه أهل جنوب كردفان لتعنته و”على نفسها جنت براقش” كما يقول المثل.

ـــ أيهما أفضل مفاوضة الحركة منشقة أم موحدة؟

رأيي الشخصي في ظل وجود أجندة ظل يدفع بها ياسر عرمان ولا تمت بصلة لقضايا المنطقتين من الأفضل أن تنفصل لجناحين، النيل الأزرق وجنوب كردفان للتخلص من حلم ياسر.

ــ إلى أي الجانبين يميل ميزان القوة العسكرية؟

إلى الآن ترجح كفة عبد العزيز بحكم أنه قائد ميداني، ومالك عقار لحد ما في النيل الأزرق، أما ياسر فمعه متعاطفون لكنهم ليسوا بالكثرة التي يمكن أن تغير المسار.

ـــ إذاً ما هي توقعاتك للمفاوضات في ظل الصراع الدائر؟

لا أتوقع أن تتم جولة تفاوض في القريب، فمن سيفاوض من جانب الحركة . أعتقد أن ذلك أمر يحتاج حسمه إلى وقت، والآن المعتمد لدى الاتحاد الأفريقي قبل الخلاف هو ياسر عرمان وتم عزله من قبل مجلس تحرير جبال النوبة ما يعني أنه لن يعترف بما يتم التوصل إليه.

ــ هل يصبر المتضررون من الحرب إلى حين تسمية الحركة لوفدها بالمفاوضات؟

“والله شوف” الجانب الإنساني الآن كما ذكرت لك وأنا قادم من الولاية، قبل أيام أن الذي تم ساعد في فتح المعابر للمواطنين للخروج من مناطق الحركة ويتم الآن تقديم المعينات لهم، وحسب ما علمت أن جانب الحركة ممثل في مجلس تحرير جبال النوبة وافق على نقل الإغاثة وفق المقترح الأمريكي.

ـــ إلى أي مدى متفائل بحدوث انفراجة عقب كل ما جرى؟

أنا متفائل بما حدث نتيجة فك التداخل الذي كان في هذا الملف، ويصر عليه عرمان. الآن هناك رأي واحد في التعاطي مع هذا الملف من قبل أهل القضية الحقيقيين، وهذا يغير مسار التفاوض باتجاه الحل.

تعليقات الفيسبوك