من الجزائر إلى السودان!

اختلفت الرؤى وتغيرت المفاهيم بين ثورات سابقة حدثت في العالم العربي قبل بضع سنوات وما يحدث في الجزائر والسودان، فما هي المتغيرات التي جعلت الشعوب في هاتين الدولتين تتمسك برغبة جادة نحو التغيير؟

يبدو أن المؤسسة العسكرية العربية وتحديدا في هاتين الدولتين تتصرف بطريقة مختلفة عن مراحل سابقة، فهل يعد هذا نضجا في مفاهيم الجمهورية العربية التي سادت المشهد السياسي العربي بعد الحرب العالمية الثانية.

الرسالة الأهم للشعب الجزائري والسوداني تكمن في أن محاكمة الماضي والانتقام منه مهما كان لن يضيف إلى هذه التحولات الشعبية الجذرية التي حققتها تلك الشعوب إلا مزيدا من الأسى والحسرة، فمن يتحرك من أجل المستقبل عليه أن يتخلص وبقوة من كل أثقال الماضي

لا شك في أن أبناء الجزائر تحركوا وفق دوافع يصعب وصفها أو تحديد مسبباتها العميقة وكذلك الشعب السوداني، وهذا مربك للمشهد السياسي والإعلامي للعرب، فالحيرة في هذه الموجة الثانية من الثورات العربية تطرح أسئلة كبرى حول النتيجة النهائية المحتملة لمثل هذه الثورات، فمن المؤكد أن الشعب الجزائري والسوداني أيضا لديهما طموحات كبرى لتحقيق مطالبهما المستقبلية.

في كلا الدولتين لعب الجيش دوراً محوريا في تحقيق مطالب المحتجين وكأن الأمر بدا سهلا وأكثر مرونة من ثورات عربية سابقة، وهذا متوقع فهل يؤدى هذا النوع من التعامل السلس من المؤسسة العسكرية في الجزائر والسودان إلى نقلة نوعية في المسار السياسي في الجمهورية العربية تحديدا والتي تنتشر في كثير من الدول العربية؟

المرحلة القادمة لن تكون سهلة والرغبة المتراكمة التي أطلقها الشعب الجزائري والسوداني لا بد وأنها سوف تجد طريقها للمتابعة وتحقيق نتائج متوقعة ومطلوبة، فكل ما تتمناه هذه الشعوب أن يكون التغيير حقيقيا وفعليا ويؤدي إلى تحسين المستويات الاقتصادية التي كانت في الأساس خلف هذه التحركات الشعبية.

لقد مرت هذه الموجة من الثورات العربية من الجزائر وعبرت إلى السودان في مسار تصحيح يمهد لهذه الشعوب لتمارس فيه تغييرا جذريا لبنائها السياسي والاقتصادي، ومع كل ذلك فإن القلق المتنامي الذي ينتشر في الأفق أن تستمر هذه الثورات في محاكمة الماضي والانتقام من التاريخ وهذا هو أكبر الأخطاء المحتملة، لأن محاكمة الماضي وعدم تجاوز المرحلة والوقوف في كل زواياه يشكل خطرا فعليا على المطالب السامية التي قامت من أجلها تلك الشعوب.

الرسالة الأهم للشعب الجزائري والسوداني تكمن في أن محاكمة الماضي والانتقام منه مهما كان لن يضيف إلى هذه التحولات الشعبية الجذرية التي حققتها تلك الشعوب إلا مزيدا من الأسى والحسرة، فمن يتحرك من أجل المستقبل عليه أن يتخلص وبقوة من كل أثقال الماضي ، وعلى مر الزمن لم يكن تحقيق النتائج السياسية المميزة يقوم على البدء بمحاسبة الماضي، بل أثبت لنا التاريخ أن كل التحولات الناجحة كانت تنطلق كالسهم نحو الأفق الجديد، ولعل الأمثلة في هذا الجانب كثيرة في الهند وجنوب أفريقيا بل في كل الدول التي اختارت أن تشاهد المستقبل عبر نوافذ الثورات وأبوابها وليس عبر النزول إلى أقبية التاريخ لمحاسبة الماضي أو رموزه.

بوابة العين