نص خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة احتفالات البلاد بالذكرى (63) للاستقلال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل خلق الله أجمعين ، محمد بن عبدالله ، المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبة ومن سار على نهجه الى يوم البعث والدين.

وبعد..

قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) صدق الله العظيم.

الشعب السوداني الكريم

الحضور الكريم

اسمحوا لي في هذا اليوم المبارك أن أحييكم وأنتم تحتفلون بالذكرى الثالثة والستين للاستقلال المجيد، التي تذكرنا بأسمى معاني الحرية والكرامة. ونحن إذ نحتفل بهذه الذكرى المجيدة ، إنما نستعرض تاريخ شعب خط بنضاله وشموخه وكبريائه ، صفحاتٍ ناصعات في تاريخ قارتنا الافريقية ، حيث كان السودان من أوائل الدول التي انتزعت استقلالها ، ولم تألُ جهداً في دعم كافة حركات التحرر الافريقية ، من أجل نيل القارة استقلالها وحريتها وكرامتها.

وبقدر ما تبعث فينا هذه الذكرى مشاعر الفخر والإعزاز ، فإننا نسترجع فيها تضحيات أبناء هذا الشعب الصامد ، وجهود المخلصين من الرعيل الاول ، الذين ضربوا أروع الأمثال ، وقدموا أعظم التضحيات ، من أجل هذا اليوم ، وهذه اللحظات ، التي يرتفع فيها علم السودان عالياً خفاقاً..

المواطنون الأوفياء

على الرغم من أن البلاد قد قطعت شوطاً كبيراً ، وأنجزت الكثير في مسار بناء الدولة والمجتمع ، منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا ، إلا أن ذلك يبقى دون مستوى الطموح والآمال ، ويتقاصر أمام التضحيات الغالية التي قدمها شعبنا ، وما يتطلع إليه من تقدم يتناسب وقدرات وإمكانات البلاد ، الأمر الذي يحتم علينا بذل المزيد من الجهد والتضحيات ، وتسخير الطاقات ، للوصول إلى الأهداف المنشودة ، ولا يكون ذلك إلا بالحرص على إعمال مبدأ الكفاءة والنزاهة والمحاسبة فيمن توكل اليهم مهام خدمة المواطن ، كما يتحتم علينا زيادة الفاعلية والعدالة والشفافية في مؤسساتنا الوطنية كافة.

ويجيء لقاؤنا بكم اليوم وبلادنا تمر بظروف اقتصادية ضاغطة ، أضرت بشريحةٍ واسعةٍ من مجتمعنا ، لأسباب خارجية وداخلية تعلمونها ، ونحن إذ نقدر هذه المعاناة ونحس بوقعها ، ونشكر شعبنا على صبره الجميل ،  فإننا على ثقة بأننا نوشك على تجاوز هذه المرحلة الصعبة والعابرة ، والعودة الى مسار التنمية الشاملة ، بناء على المقومات والموارد القوية التي يتمتع بها اقتصادنا ، والتي تتيح له النهوض والانطلاق . ونناشد في هذا المقام قوانا السياسية والحزبية المساهمة الراشدة عند التعاطي مع قضايا الوطن ، ومنها القضية الاقتصادية الماثلة ، بروح النصح وتقديم البدائل ، لا بالتنافس والكسب السياسي ، ومن هنا أؤكد لكم أن كل مؤسسات الدولة ، قد وضعت خارطة الطريق للخروج من هذه الأزمة ، باستراتيجية تعتمد على الإنتاج والإنتاجية ، حيث تم وضع ميزانية العام 2019م برؤية جديدة ، تستهدف النهضة وتجاوز الأزمات الراهنة ، بمنهج يعتمد لأول مرة على البرامج والمشروعات لتحقيق الأهداف ، بدلاً عن نظام البنود التقليدي .. كما أن الميزانية قد هدفت لتخفيف المعاناة عن كاهل المواطن ، من خلال إبقاء الدعم على كثير من السلع ، وزيادة الرواتب ، ودعم الإنتاج للصادر ، وعدم إضافة أي أعباء ضريبية جديدة ، ودعم برامج الرعاية الاجتماعية للفئات الأضعف ، في خطوة كبيرة لتوجيه الدعم بشكلٍ مباشرٍ لمستحقيه .. فضلاً عن وضع منظومة جديدة لإنتاج واستيراد وتوزيع السلع الأساسية والأدوية ، ووضع برنامج صارم لإعادة الثقة بنظامنا المصرفي ، الذي صمد أمام تحديات المقاطعة الخارجية ، وسيتجاوز هذه الأزمة للقيام بدوره المطلوب في دعم الإنتاج وتمويل المنتجين ، في القطاع الخاص الذي ظل يقوم بدورٍ مقدرٍ في مسيرة اقتصادنا نتطلع لمضاعفة إسهامه في جهود البناء الاقتصادي.

بجانب ذلك فقد أبرمنا من خلال التعاون الثنائي ، مع بعض الدول الشقيقة والصديقة شراكات اقتصادية ، تستهدف زيادة كفاءة الاقتصاد ، ومن هذه الدول الصين وتركيا وروسيا وبيلاروسيا والأشقاء في الخليج العربي وغيرها من الدول ، ونستهدف من هذه الشراكات دعم بنية الإنتاج الوطني.

المواطنون الشرفاء

إننا إذ نحتفل بهذه المناسبة العزيزة على قلوبنا ، فإننا نؤكد مضينا في منهج تعزيز وتوسيع المشاركة في إدارة الدولة ، لجميع أطياف شعبنا وقواه السياسية والمجتمعية ، دون إقصاء أو تفرقة ، مستشرفين بذلك مرحلةً جديدةً ، تستلزم توحيد الصف والكلمة ، وتستدعي التعاون والتوافق بين كافة قطاعات المجتمع السوداني ، لمجابهة التحديات التي تحيط بالبلاد، وهو الأمر الذي يجعلنا نجدد الدعوة لأبناء هذا الشعب الكريم وقواه السياسية والمجتمعية في داخل السودان وخارجه ، إلى كلمةٍ سواء امتثالاً لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، وأن نتعاهد على نبذ العنف والحروب والصراعات ، تدعيماً لنسيجنا الاجتماعي ، الذي حرصنا على الحفاظ عليه ، في التعاطي مع كل قضايانا على أساس العدالة والمساواة ، دون تمييز بين مكوناته ، وأن نتخذ من الحوار الجاد وسيلة لتجاوز الخلافات.

وأجدد هنا التزامنا التام بتوصيات الحوار الوطني ، بشقيه السياسي والمجتمعي، كما أجدد الدعوة للإخوة في المعارضة ، لأن يسارعوا للانضمام إلى وثيقة الحوار الوطني ، والمشاركة في بناء الوطن ، وإرساء دعائم الأمن والسلام . كما نجدد التزامنا بأن يكون وضع الدستور الدائم للبلاد ملحمة وطنية يشارك فيها الجميع دون إقصاء ، مستلهمين مخرجات الحوار الوطني وتطلعات شعبنا في الحرية والتقدم والرفاه ، وبمثلما أننا ملتزمون بإجراء الانتخابات في 2020م في أجواءٍ حرة نزيهة ، فإننا ندعو كافة القوى السياسية إلى الإعداد الجاد للمشاركة فيها ، بروح التنافس الوطني الشريف ، تحقيقاً للشورى والديمقراطية الحقة ، وتعزيزاً لمبدأ التداول السلمي للحكم.

الشعب السوداني الكريم

الضيوف الأعزاء

لقد ظل السودان عبر علاقاته الخارجية ، يرعى قيم التعاون والإخاء وحسن الجوار ، وتعزيز دعائم السلم والأمن الدوليين ، حيث تشهد منطقتنا استقطابا حاداً ، وتدخلات غير مسبوقة ، إلا أننا استطعنا أن نحافظ على علاقاتٍ خارجية متوازنة ، مع كل محيطنا الإقليمي والدولي ، تقوم على مبادئ العدالة ، والتعاطي الإيجابي مع قضايا المنطقة ، والحفاظ على مصالحنا الوطنية والقومية.

ويأتي شعار احتفالات البلاد بالعيد الثالث والستين للاستقلال (انا افريقي انا سوداني) معبِّراً عن فخر الانتماء للقارة السمراء ، ومعززاً لدعائم التلاحم الوطني الأفريقي ، وتشهد مساهمات السودان في تحقيق السلام في قارته وجواره ومنطقة القرن الأفريقي على التزامه الأخلاقي ، ومكانته المميزة في القارة ، حيث كان للسودان الدور الأبرز في تحقيق السلام في جمهورية جنوب السودان ، وتتواصل جهوده لإحلال السلام في الجارة أفريقيا الوسطى، بالتعاون مع آليات الاتحاد الأفريقي ، فضلاً عن إسهامه في تحقيق السلام في الشقيقة ليبيا ، من خلال دوره الفاعل في منظومة دول جوار ليببيا. كما ظل السودان يسهم بجهودٍ مخلصةٍ في تعزيز العمل العربي المشترك، وآليات التضامن العربي والإسلامي ، حيث شكل حضوراً فاعلاً في تحقيق الاستقرار ودعم الشرعية في اليمن الشقيق ، ويبذل جهداً كبيراً في رأب صدع الصف العربي ، بعودة سوريا الشقيقة الى الحضن العربي بإذن الله. كما ساهمت بلادنا بجهدٍ كبير ومميز في مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر وغسيل الأموال والمخدرات وفي إحلال السلام وتحقيق الاستقرار ، لكل ذلك أصبح السودان يشار إليه كرمز لصناعة السلام وعنصر استقرار بالمنطقة.

المواطنون الأوفياء

ختاماً .. لا يسعني إلا أن أكرر التهاني والشكر للشعب السوداني الأبي الصابر، على وعيه وحرصه على تعزيز وصون مكتسباته الوطنية ، كما أهنئ وأشكر كذلك قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية الأخرى ، في داخل البلاد وخارجها ، وأؤكد العزم على أن يظل السودان حصناً قوياً آمناً ، ووطناً عزيزاً منيعاً ، وسنبقى بعون الله تعالى ثابتين على الحق ، وحماةً للوطن وأهله في كل المواقف والظروف . ونسأل الله العلي القدير أن يجمع كلمتنا ويوحد صفنا لما فيه خير البلاد والعباد ، وعلى الله توكلنا إنه نعم المولى ونعم النصير.

وكل عام وانتم بألف خير.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته