هل يقرأ الإمام والدقير وجبريل ومناوي هذا المقال؟

الطيب مصطفى

خلال لقائنا مع الوسيط الأفريقي ثابو أمبيكي ضمن اللجنة العليا لمتابعة إنفاذ مخرجات الحوار، سألتُ الرجل حين حدّثنا عن لقاءٍ مرتقب سيجمعه في اليوم التالي مع الإمام الصادق المهدي بصفته زعيماً لتحالف نداء السودان.. سألته: من يا تُرى سيكون مُمثّلاً للحركة الشعبية في ذلك التحالف.. عرمان أم الحلو؟ همْهَم الرجل بكلمات غير مفهومة وحقّ له.

تحالف نداء السودان يعلم يقيناً أنه يعوّل على السراب حين يصر على أن يكون عرمان هو الممثل للحركة الشعبية بالرغم من أنه أضحى طريداً، ليس من جبال النوبة فقط إنما حتى من ديار رفيق دربه مالك عقار الذين أيدوا ما خرج به مجلس تحرير جبال النوبة.

كل السودان يعلم ذلك التغيير الجذري في هيكل وبِنية الحركة الشعبية، ولكن للأسف الشديد هكذا هي السياسة في السودان .. لا تُبصر ولا تسمع ولا تعي ولا تتعامل مع الفيل إنما مع ظلّه وتضيّع وقتها ووقت الوطن الغالي في التعامي عن مواجهة الحقائق الماثلة على الأرض.

قادة نداء السودان تحديداً، وكذلك الوسيط أمبيكي يعلمون أن حقبة عرمان قد انتهت إلى غير رجعة، وبالرغم من ذلك يصرون على (الغرق في شبر موية) وعلى إحياء العظام وهي رميم مضيعين وقتهم ووقت البلاد فيما لا طائل من ورائه.

قرأتُ قبل نحو ساعة تصريحاً في صحيفة (الجريدة) لرئيس المؤتمر السوداني المهندس عمر الدقير الذي لا أزال أرى فيه شيئاً من الموضوعية – وأهم من ذلك ألمح فيه تديّنا أرجو أن يسوقه إلى تبيُّن الحق رغم الكوابح المُقعِدة، قال فيه (إنهم لن يكونوا جزءاً من أي حوار مع النظام دون الاستجابة لمطلوبات تهيئة المناخ وفي مقدمتها الوصول إلى اتفاق سلام ووقف الحرب وإغاثة المتضررين منها).

أود أن أسال الأخوين الدقير وإبراهيم الشيخ كيف تتوقف الحرب رغم الواقع الجديد الطارئ على الحركة الشعبية، وهل يملك عرمان الآن أن يفعل ذلك بعد أن فقد الميدان الذي بات تحت سيطرة الحلو، ومن هو المسؤول عن رفض المبادرة الأمريكية لإغاثة المتضررين والتي وافقت عليها الحكومة ودول “الترويكا” والاتحاد الافريقي وكل الدنيا.. أليس هو حليفكم عرمان الذي عجزتم جميعكم عن حمله على الموافقة عليها؟!

الآن لا عرمان ولا أي منكم يستطيع أن يفعل شيئاً مع المستجدات الأخيرة التي ينبغي أن تتعاملوا معها بواقعية بعيداً عن العواطف وركوب الرأس (والعنتريات التي ما قتلت ذبابة)، فكيف بربِّكم تحمِّلون الحكومة المسؤولية عن عدم وقف الحرب التي تعلمون المسؤول عن إشعالها؟!

الإمام الصادق المهدي أين هو مما يجري وكيف يجيب عن الأسئلة التي طرحْتُها على الدقير قبل قليل؟

معلوم أن أي حزب سياسي يعجز عن التعامل الصادق مع الواقع السياسي يفقد المنطق الذي يخاطب به المواطن الذي يريد حلاً لمشكلة الوطن والحرب التي أنهكت البلاد وتسبّبت في المعاناة التي يتلظَّى بها المواطنون.

من أكبر علل السياسة السودانية أن التحالفات كثيراً ما تقيّد المنضوين في كنفها وتصدّهم عن اتخاذ القرار بالرغم من أن التحالف يضم أحزاباً ذات أهداف ومبادئ ومرجعيات مختلفة، وأذكر أننا في منبر السلام العادل كُنا في تحالف القوى الوطنية حين صدر إعلان باريس فقُمنا لوحدنا بتأييده لأن الإمام الصادق استطاع من خلاله انتزاع أهم الأهداف المبتغاة ألا وهو وقف إطلاق النار بدون أن ينتقص من مطلوباتنا الأخرى شيئاً، ودفعنا ثمن ذلك الموقف الذي يعلمه الإمام وابنته المنصورة مريم تماماً فهو الذي اتصل بي من منفاه الاختياري في القاهرة مقدرًا وشاكراً، وكذلك عندما رأينا في تحالف القوى الوطنية خرقاً لخارطة الطريق الموقّعة من طرفي الحكومة والمعارضة بما في ذلك التوافُق حول قيام الانتخابات انسحبنا مع آخرين من الحوار، وواصل المؤتمر الشعبي ومعه بعض أحزاب التحالف الحوار بما يعني أن التحالف انشق إلى محاورين وممانعين .. أُقسم بالله أيها الإمام أننا، وقد انسحبنا بحيثيات موضوعية غضباً من خروقات واضحة اقترفها المؤتمر الوطني اعترفنا بعدها في مراجعات مكتوبة بأن موقف المؤتمر الشعبي كان هو الأصح والأكثر حكمة رغم قوة منطقنا وحيثياتنا.. حتى مصطفى محمود الذي انشق عنّا فيما بعد عقب تكوين تحالُف قوى المستقبل اعترف بما اعترفنا به، وقال لي إن وجودنا في الحوار كان سيسهم في دفع قضية الحريات التي كان الشعبي يُمسك بخطامها وينافح عنها.

ذات الشيء حدث في تحالف قوى المستقبل للتغيير، فقد انشققْنا حين اخترتُ ومعي آخرون أن نرجع إلى الحوار ونوقّع على الوثيقة الوطنية بعد أن اقتنعنا بأن مخرجات الحوار حققت جزءاً مقدراً من مطلوباتنا الوطنية سيما بعد أن أخذنا بحكمة (ما لا يُدرك كله لا يُترك جله) التي راعينا فيها تعقيد المشهد السياسي السوداني الذي يحتاج إلى (مباصرة) وصبر جميل خوفاً من الانسياق وراء مصير دول أخرى في محيطنا الإقليمي لا تزال تعاني من احتراب أهلي أرجعها ربما مئة عام إلى الوراء.

بعد ذلك بستة أشهر من توقيعنا وانخراطِنا في الحوار اقتنع فصيل د. غازي صلاح الدين بما اقتنعنا به وانضم إلى الحوار ووقَّع ذات الوثيقة!

إذن أيها الإمام ويا إخواني في نداء السودان، فإن السياسة هي فن الممكن وتعتمد على تقديرات واجتهادات تُخطئ وتُصيب، وما تراه اليوم خطأً قد تقتنع بصحته غداً، ولكن هناك أخطاء وطنية وأخلاقية لا تُغتَفر يقود إليها العناد الناشئ عن الانفعال بالمرارات وتقديم المصلحة الدنيا على المصالح الوطنية العليا.

ادعوكم من موقع المشفق إلى اقتحام العقبة بشجاعة، فالوطن يحتاج إلينا جميعاً لنصنع مستقبله السياسي بعيداً عن التناحُر والتخاصُم والتنازع المفضي إلى الفشل وذهاب الريح فكلنا يدندِن حول ذات الشعار فهلا تحرّكنا بعيداً عن شُح النفس الأمارة وهلا تذكّرنا أنموذج مانديلا وقبل ذلك قيماً علياً رضعناها من أثداء أمهاتنا تدعو إلى التعافي والتصافي والصفح الجميل؟