واشنطن والجنائية الدولية

الصادق الرزيقي

> نشرت صحيفة (أخبار اليوم) في عددها أمس، خبراً عن مواقف أمريكية جديدة لدى إدارة الرئيس ترامب تتعلق بملف السوان لدى المحكمة الجنائية الدولية ، وأن هناك اتجاه لدى الإدارة في البيت الأبيض لإزالة الدعوى المقامة ضد السيد رئيس الجمهورية،

ونسبت الصحيفة خبرها الى مصادر اعتمدت عليها صحيفة (رأي اليوم) الإلكترونية التي تعمل وتصدر في العاصمة البريطانية لندن، وحاولت مصادر هذه الصحيفة الإلكترونية اللندنية ، الربط بين التعاون السوداني الأمريكي في مجال الإرهاب ورضى الإدارة الأمريكية عن هذا التعاون وأثره في علاقة الخرطوم بواشنطن ودوره في طي وإنهاء ملف المحكمة الجنائية الدولية.
> في تحليل بسيط وتفكيك للخبر ، يتضح أن الجانب التحليلي فيه جاء متسقاً مع معلومات سابقة وحيثيات مختلفة، فمال إليه الخبر أكثر من احتوائه على أية معلومات جديدة ودقيقة ومحددة، لكن لا يستبعد حدوث تغيير ما، لدى البيت الأبيض ومؤسسات الحكم الأمريكية في ظل الظروف الراهنة والتطورات الجارية في العلاقات الدولية والتحولات في نظرة الإدارة الأمريكية للمنطقة العربية والفضاء الإفريقي، خاصة بعد القرارات الصلبة للقادة الأفارقة ومواقف بلدانهم من المحكمة الجنائية الدولية، وهي مواقف قوية وشجاعة ترافق معها تحركات وثوابت الدول العربية المساندة للسودان، بالإضافة لمواقف دولية أخرى لحلفاء السودان وأصدقائه مثل الصين وروسيا ومجموعات الـ(77).
> وتعلم الولايات المتحدة وهي ليست عضواً في ميثاق روما المؤسس للمحكمة ولا تعترف بها، أن قرار الإحالة لملف القضية من مجلس الأمن الدولي الى المحكمة الجنائية، كان عملاً سياسياً بامتياز ولا يمكن تجريده من الظروف التي أحاطت به في تلك الفترة في العام 2006 و2007، وتعلم واشنطن أيضاً أن كل ما استندت عليه المحكمة كان محض افتراءات وأكاذيب وبينات ملفقة وشهادات شهود تم شراء بعضهم بالمال او إغرائهم وإغوائهم بالهجرة والتوطين في البلدان الغربية ، وكانت هناك منظمات وأجهزة استخبارية دولية تتولى تهريب من يدعون بالشاكين والشهود ، وتقوم بتلفيق الاتهامات لتعضيد التهم التي أثيرت، وقد تكشفت كل هذه الحقائق وعرف الجميع زيْف تلك المعلومات وبطلانها.
> ومع تراجع الاهتمامات الغربية وخاصة في الولايات المتحدة بقضية دارفور، وهدوء الأوضاع في كل الولايات الخمس واستتباب الأمن والسلام وانتهاء التمرد وحركاته، لم يعد هناك من يحفل بهذا الهراء السياسي والدعاية السوداء ، فقد تلاشت وتبددت في الهواء منظمات وجماعات ضغط وناشطين في داخل أمريكا وأوروبا، وتبين حجم التضليل الدعائي والأموال التي جمعت باسم ضحايا دارفور وذهبت الى بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وذهب بعضها الى جيوب قادة هذه المنظمات الذين تبادلوا بينهم الاتهامات، فكل هذه الأمور تكشفت وبانت عوراتها، وأصبح الحديث طبقاً لذلك عن قضية المحكمة الجائية الدولية مثيراً للسخرية والتندر .
> يضاف الى ذلك أن المحكمة الجنائية الدولية تواجه ظروفاً قاسية تعجل بنهايتها وتشييعها اليوم قبل الغد ، فالاتهامات التي أثيرت حول المدعي العام السابق أوكامبو الذي تولى توجيه الاتهامات في ملف السودان، متهم الآن بتلقي رشاوى وأموال من متهمين في ليبيا ومناطق أخرى من العالم، فالطعن في نزاهته وأهليته يبطل بالفعل كل ما قام به في شأن السودان، وطالت ذات الاتهامات المدعية الحالية فاتو بن سودا وتواجه تهماً بتلقي أموال في حساباتها ومعها أعضاء في المحكمة، وقد جعلت كل هذه الاتهامات والمعلومات الموثَّقة والتقارير الإعلامية والصحافية والدبلوماسية والمذكرات السرية التي رفعت الى الأمم المتحدة وبعض الهيئات الدولية، أمر المحكمة في مهب الريح ولم تعد تصلح للعدالة الدولية ولا أداة نزيهة وفاعلة لتحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها.
> ربما لهذه المعلومات مجتمعة ومعلومات أخرى وتقييمات أكثر دقة ، وجدت الدول الغربية الداعمة للمحكمة ومنها الولايات المتحدة وهي ليست عضواً فيها، أن هذه المحكمة تحولت الى عبء ثقيل وبؤرة انحدار أخلاقي ومهني لا يمكن الدفاع عنه، وأنها كشفت عن ساقين عاريين من الفساد السياسي والقانوني ، فيمكن إزاء هذه الحقائق وما يترتب عليها أن تتغير نظرة واشنطن وإدارتها الحالية حول جدوى المحكمة التي لم تتهم حتى اللحظة بين متهميها الستة عشر غير الأفارقة ، واذا وضعت واشنطن علاقتها المتطورة مع السودان والتعاون في مجال محاربة الإرهاب وبين المحكمة على كفة ميزان، فإنها بلا شك ستختار الخيار السليم ، وهو المضي قدماً مع الخرطوم وتحسين العلاقات معها وتطبيعها ولسان حالها يقول « فلتذهب المحكمة الى الجحيم ..»