وزير العمل “أحمد بابكر نهار” يقلب أوراق العمر (1-2)

ولادتي كانت حدثاً فريداً في الفاشر أغلقت بسببه الطرق

الإمام الهادي ودريج والصادق المهدي مارسوا ضغوطاً على والدي

حفظت ربع القرآن حتى يسمح لي بارتياد المدرسة

درست الطب في بولندا وكان يتعجبون من ألوان بشرتنا

الخرطوم:صديق رمضان- آخر لحظة

تتملك السودانيين على اختلاف مشاربهم قناعة راسخة بأن حياة صانعي الأحداث في السودان لم تجد حظها من التدوين كما يجب. ويتلبّسهم يقين عميق بأن أكثرية المرتبطين بالعمل العام أهملوا التدوين لحياتهم الخاصة، وأنهم لم يدوِّنوا شهادتهم على الأحداث المهمة في حياتهم، وفي تاريخ السودان، لذا ظلت بعض الأسرار حبيسة الصدور. في هذه السلسلة من (أوراق العمر) نحاول أن نسلط الضوء على جزء من الجوانب الخفيَّة في حياة بعض الذين ارتبطوا لدى الذاكرة الجمعية للشعب السوداني بالإشراقات وربما الإخفاقات. ونسعى من خلال ذلك إلى تتبع سيرة من أسهموا ــ سلبًا أو إيجابًا ــ في حركة المجتمع والسياسة، وبالطبع نهدف إلى تقليب أوراق حياتهم المرتبطة بالجانب العام، دون أن نتطفّل على خصوصياتهم، حال لم تكن ذات علاقة مباشرة بالشأن العام. دافعنا في كل ذلك أن نعيد كتابة الأحداث والتاريخ، بعد أن تكشَّفت الكثير من الحقائق المهمة حول كثير من الوقائع التي أثرت في المشهد السياسي السوداني… وفي هذه الحلقة نبحر مع وزير العمل الدكتور أحمد بابكر نهار .

احتشاد زكريات

حينما يتحدث الإنسان أو يشرع في التوثيق لتاريخ ومشوار حياته فإن الارتياح ينسرب إلى دواخله لأنه بكل تأكيد في المبتدأ سيتناول مراحله الأولى في الحياة وهذه يعتبرها كثيرون من أخصب فترات العمر لاحتشادها بالذكريات وكل ماهو جميل، فتلك المرحلة العمرية الباكرة أنا وغيري نتمنى تكرارها، وحينما أتحدث عن نشأتي ومولدي بكل تأكيد تتهلل أساريري لأن مدينة عظيمة مثل الفاشر بشمال دارفور هي التي شهدت خروجي إلى الدنيا بحي العظمة المتاخم للسوق الكبير في العام 1949، والفاشر في ذلك الوقت كانت قرية كبيرة أنشأها السلطان عبد الرحمن الرشيد لوجود “رهد أو فولة” وهو مكان لتجمع المياه ورأى أنها موقع مثالي لتكون عاصمة تتوفر فيها أهم مقومات الحياة، ودعوني أتحدث قليلاً عن مدينة الفاشر التي كانت في زمن ماض عبارة عن كثبان رملية وحينما باتت عاصمة لسلطنة الفور فإن كل القيادات حينها اتخذتها مستقراً بسكن كل مجموعة على سطح أحد التلال وبمرور الوقت فإنها باتت مكتظة بالسكان وهذا دفع الوافدين لاحقاً إلى الفاشر في ذلك العهد من عمر سلطنة الفور إلى السكن أسفل الكثبان الرملية .

أثر الخلوة

واستمرت الحياة على هذا النسق إلى أن جاء المستعمر الإنجليزي في العام 1916 لتشهد المدينة نقلة وتطوراً جعل منها تمتلك ملامح عصرية وكان البعض يعتبرها مثل مدينة روما وفي بداية عهد المستعمر تم تشييد مجار ومدرجات للمياه لتصريفها وتقليل سرعتها وكان هذا ملمح يعرفه كل من عاصر تلك الحقبة الأولى من عمر المدينة، التي لم تشتهر بالكثبان الرملية وتعرجاتها وحسب بل كانت بمثابة تقابة كبيرة حيث احتضنت أعداداً كبيرة من خلاوي القرآن، وهي التي بدأت حياتي بها وكان صاحبها جدي ومن ثم أنشأ الوالد خلوة بداخل منزلنا، وفي تلك المرحلة المهمة من حياتي فقد تعلمت الكثير بل تفتحت عيناي وبصيرتي على القرآن الذي لم نكتفِ وقتها بحفظه وترتيله آناء الليل وأطراف النهار بل بتجويد لغتنا العربية الفصحى وقد كان سبباً مباشراً لامتلاكنا ناصية الحديث بهذه اللغة العظيمة بكل وضوح، وهذا انسحب على كل أهل دارفور غير الناطقين باللغة العربية.

اشتراط ورغبة

ومن الطرائف التي لايمكن أن تسقط عن ذاكرتي أن الفاشر في ذلك الوقت كان بها مدرستان فقط، الأولى الفاشر المزدوجة والثانية الأهلية، وكانت نفسي تتوق لارتياد المدرسة ولكن والدي اشترط حفظي لربع القرآن حتى أحقق رغبتي وبالفعل لم أجد غير أن أحفظه في فترة وجيزة فنلت من الوالد الضوء الأخضر، وعلى شرف حفظي لربع القرآن كان حظي مثل غيري في تلك الفترة أن تم عمل كرامة لي وكانت تسمى “شرافة”، بعد ذلك توجهت والسعادة تغمرني بل وتحتل كل مساحة داخلي صوب مدرسة الفاشر المزدوجة فقلبي مثلما تعلق بالقرآن كانت نفسي تواقة إلى تلقي التعليم الأكاديمي، وتقريباً في العام 1958 بدأت أول فصول قصتي مع التعليم وفي ذلك الوقت لم تكن الفاشر مدينة مزدحمة بالسكان ولا توجد بها وسائل مواصلات وكنا نتوجه إلى المدرسة ونعبر سجن الفاشر وعدداً من المرافق الحكومة ولم يكن أحد يسألنا لنصل إلى المدرسة التي كانت تضم أعداداً كبيرة من التلاميذ وتوجد بها داخلية لعدم وجود مدارس بالقرى والمدن المحيطة بها، وهذه المدرسة تعتبر الأولى في دارفور والوحيدة في ذلك الوقت وكان التلاميذ يفدون إليها من كل أنحاء الإقليم .

المحطة التالية

بعد نهاية المرحلة الأولية بنجاح أسعد والدي وجعله يعتز بي كان علي التوجه نحو المرحلة الثانية وهي مدرسة الفاشر الأهلية التي كان يدرس بها أبناء المدينة فيما يذهب القادمون من الأرياف إلى الأميرية، وكانت مدرستنا بقلب المدينة وهي أنشأها أعيان المدينة وذلك لأن مسيرة تعليم أبنائهم كانت تنتهي عند عتبة المرحلة الأولية أو الابتدائية لعدم وجود مدارس وسطى، ورغم ذلك فإن خريجي هذه المرحلة كانوا يمثلون عماد الخدمة المدنية وقتها لتميزهم وكفاءتهم،وقبل المضي قدما في إيراد تفاصيل مشواري الأكاديمي لابد من الإشارة إلى أن درب الأربعين بخلاف أنه كان معبراً للإبل إلى دولة مصر فإنه أسهم في أن ترتاد أعداد كبيرة من أبناء الفاشر معهد الأزهر وحينما تخرجوا أسهموا في إحداث ثورة تعليمية ودينية بالمدينة وقد تم إنشاء المعهد العلمي بالجامع الكبير الذي كان مقصداً للكثير من الباحثين عن العلم الذين وجدوا أن خريجي الأزهر ليسوا رجال دين وحسب بل مثقفين وأدباء وشعراء وهذا أسهم كثيراً في جعل الجامع الكبير قبلة للباحثين عن الدين والأدب والثقافة وكان حب الاطلاع سمة مميزة للفاشريين في ذلك الوقت.

وعي مبكر

والوعي المبكر والدور المقدر الذي لعبه خريجو الأزهر والمعهد العلمي جعل الفاشر تشهد أول مظاهرة ضد المستمعر الإنجليزي وأحرق المتظاهرون علم المستعمر وهذا جعلهم ينتبهون إلى الفاشر ويبحثون أسباب هذه التظاهرة السياسية، حيث تساءل الإنجليز كثيرا وغشيتهم الحيرة لجهة أن دارفور لم تدخل مظلة الاستعمار البريطاني إلا في العام 1916 وبعد مضي سنين معدودة اندلعت التظاهرات، وذات المستعمر الذي عمل على تضييق الخناق على الفاشريين فإن أحد أبناء المسؤولين الإنجليز فيه عاد بعد الاستقلال وعمل معلماً لتعلقه بأهل المدينة الذين أجبروا المستعمر بأخلاقهم وشدة بأسهم على احترامهم وحينما ودعوا الحاكم الإنجليزي قال في حفل وداعه إنه لو كان الخيار بيده لقضى ما تبقى في عمره بالفاشر وذهب بعيداً وأوصاهم في كلمته بمفردات ماتزال تجري على ألسنة كبار السن وأبرز الوصايا كانت ألا يعطوا الحكم إلى الذي لم يتجاوز عمره الأربعين عاماً، والوصية الثانية أن يحافظوا على المنشآت والمؤسسات التي تم تشييدها وعدم إزالتها، وأكد لهم أن البريطانيين تركوا أفضل خدمة مدنية في العالم بالإضافة إلى دول كندا وأستراليا والهند وجنوب أفريقيا وطالب وقتها بإبعاد الخدمة المدنية عن السياسة والقبيلة والجهوية.

إلى بولندا

بعد نهاية المرحلة الثانوية وإحرازي لنسبة جيدة ولضيق فرص القبول بالسودان لقلة الجامعات وقتها كنت أكثر إصراراً على مواصلة تعليمي وشاءت الأقدار أن يحضر إلى الفاشر مبارك أحمد سعد وهو الذي تلقى تعليمه بجامعة بولندا واقنع والدي بأن يبتعثني إلى وارسو وعمري وقتها كان 21 عاما وقد وقع الاختيار علي من قبل الأسرة وبعد حضوري إلى الخرطوم وإكمالي للإجراءات تعرفت على مجموعة من الطلاب السودانيين الذين كانوا في طريقهم إلى بولندا لذات الغرض فكان أن سافرنا إلى مدينة روما ومنها إلى وارسو وفي العاصمة الإيطالية مازلت أذكر حتى الآن موقفاً طريفاً حدث لنا وذلك حينما أكد أحد الذين كانوا معنا في المجموعة الطلابية المسافرة أن درجات الحرارة في وارسو منخفضة ولا بد أن نبتاع عدداً من الملبوسات الشتوية فكان أن اشترى اثنان من مرافقينا الروبات، أما الثالث فقد أعجبه “بالطو” فخم وارتدوا هذه الأزياء، وحينما وصلنا مطار وارسو كان مندوب الجامعة في استقبالنا وعندما رأى الزملاء الثلاثة يرتدون تلك الملابس دخل في نوبة ضحك أثارة حيرتنا وقال لهم إن هذه ملابس تخص النساء وليست رجالية وكان هذا الموقف مكان تندرنا بل حتى الطلاب السودانيون القدامى وبعد أن أضحكهم الموقف قالوا إن هذا الموقف يتكرر كثيراً من الطلاب القادمين من السودان، وسردوا لنا الكثير من المواقف ومنها ماتعرض له طالبان عند وصولهما لوارسو حيث قدمت لهما مياه معدنية واعتقدا أنها خمور فشرباها وبدأ عليهما السكر والسبب في ذلك أن عقليهما تبرمجا على أنها خمر.

لون البشرة والتعجب

في وارسو قضينا خمسة أعوام جميلة وحافلة، فالمجتمع كان غريباً علينا والطريف أنهم كانوا يتفرجون علينا لبشرتنا ونحن نتفرج عليهم بسبب بياض ألوانهم وفي ذلك الوقت لم يكن يوجد مهاجرون أفارقة بأوربا بأعداد كبيرة وكان البولنديون يعتقدون بأنه لايوجد بشر في الدنيا بخلاف أصحاب اللون الأبيض، وكانت النظرات تلاحقنا في الأرياف حينما نذهب إليها للتدريب العملي بالمرافق الصحية وفي زيارة لي إلى إحدى القرى الزراعية الوادعة استقبلنا المساعد الطبي الموجود بالمركز الصحي، ويبدو أنني كنت صاحب البشرة الملونة الأول التي أزورها فقد كنت محط اهتمام الجميع خاصة الطلاب الذين ينظرون إليّ بتعجب، وحدث لي موقف طريف مع أحد عيان المنطقة الذي وضع قطعة قماش في مياه واستأذنني في أن يمررها على ساعدي وحينما سألته عن السبب قال إنه يريد أن يتأكد هل هذا لون بشرتي أم طلاء، وموقف آخر من أحد أعيان المجتمع بالقرية التي كنت أعمل بها فقد أكد لي أنه قابل أخي بوارسو فقلت له ليس لي أخ ببولندا فبدأ مصرا على حديثه وقال إن أخي يشبهني كثيرا فضحكت وعرفت أنه التقى سودانياً أو أفريقياً.

حاضنة مثالية

بعد أن استعراض جزء من مشواري التعليمي أرجو أن تسمحوا لي بالعودة مجدداً إلى الفاشر وذلك لأنه بكل تأكيد فإن الأسرة التي ينشأ فيها الإنسان لها دور كبير في تشكيلته وأريد أن تحدث بعض الشيء عن أسرتي، فقد ترعرعت وسط أسرة كبيرة، واسمي الذي أحمله يعود إلى جدي حيث رأى والدي أن يطلقه علي تيمناً به فقد كان رجل دين معروفاً في دارفور بالإضافة إلى أنني كنت المولود الأول لوالدي، وجدي هذا اعتقله البريطانيون لفترة من الزمن ولولا شهادة المواطنين بحقه حيث وصفوه بالكرم والشهامة وحسن التعامل لظل حبيساً في السجن، وبعد أن تمكن الإنجليز في دارفور وفد إلى الفاشر إغريق وشوام وإخوة من الشمال وهم من مكونات الفاشر الاجتماعية، أما سكان الفاشر الأصليون فقد خرجوا بدخول المستعمر وكان لايسمح لهم بالعودة إلى الفاشر ويتم إلقاء القبض على من يدخلها وهذا يعود إلى توجس الإنجليز من تجميع السكان المحليين لقوتهم مجدداً.

جدي والمهن الجديدة

وحينما تزايدت أعداد العائدين إلى الفاشر رأى الإنجليز الاستعانة بمن يعرفون جيدا أهلها فتم اختيار جدي أحمد ليعمل عريفا وهذا جعل منزله قبلة لكل أهل دارفور الذين يتخذون وجهة مفضلة، وجدي أحمد وبعد أن تزوج والدي بزوجته الأولى شاءت أقدار الله ألا يرزقا بالأبناء فكان قراره أن يقترن والدي بزوجة ثانية وهي والدتي ،ليشاء الله أن تحبل والدتي وفي ذات الوقت فإن زوجته الأولى أيضاً حبلت وكان الفرق بينهما ثلاثة أشهر وكان أن خرجت أولاً إلى الوجود ثم جاء أخي من والدي، وولادتي بحسب عمتي ومن حضروا تلك الفترة كانت حدثاً كبيراً أغلقت على إثره عدد من طرق الفاشر بسبب الوفود القادمة للتهنئة بالإضافة إلى الهدايا الكثيرة التي تم تقديمها لوالدي وجدي وكانت كميات كبيرة من الماشية ويحكون أن الاحتفال بمولدي استمر لشهر كامل من الذبائح، وتعلقي بجدي أحمد بدأ كما حكي لي والدي في سن باكرة حيث كنت أقضي معه معظم ساعات اليوم.

خدمة الضيوف

وعموماً فإن جدي ومن بعده والدي جعلا منزلنا في حي العظمة قبلة لكل أهل دارفور وكثيراً ما كنت أحضر متأخراً بعد أن أصبحت في سن الشباب ولا أجد مكاناً أقضي به ليلتي لأن كل الأسرة والعناقريب مشغولة بالضيوف، وقد كنا ونحن صغار في غاية السعادة ونحن نخدم الضيوف ونحمل صواني الطعام ونوفر لهم كل وسائل الراحة، وحتى عندما أصبحنا شباباً فإن قيمة إكرام الضيف كانت مغروسة بدواخلنا لأننا رأينا جدي ووالدي وهما يخدمان ضيوفهما حافيا القدمين، وقد نشأت في هذه الأجواء التي تعلمت منها الكثير وأهمها أن كل الناس واحد ويجب أن تسود بينهم روح الإخاء والتعاون، وهنا أصدق قراء (الصيحة) القول بأننا في ذلك العهد لم نكن نعرف القبائل ولا نتعاطى القبلية بالمعيار الأساسي في التعامل كان السوداناوية والدارفورية.

تواجد أنصاري

وبخلاف ضيوف جدي الذي كان عريِّفاً ومن ثم والدي فإن ضيوفاً آخرين كانوا يفدون إلى منزلنا وهم أنصار الإمام المهدي وقد كان الوالد أحد الأقطاب المعروفين بالغرب وتعلمت الراتب وأنا في سن صغيرة وقد حضر إلى منزلنا الإمام الهادي وعرض على والدي رئاسة الحزب بدارفور وبعد أسبوع حضر لذات الغرض السيد الصادق المهدي وأحمد إبراهيم دريج ورغم رفضه إلا أنهم مارسوا عليه ضغوطاً وأكدوا أنهم لن يغادروا الفاشر إلا بعد موافقتة التي نجحوا في الحصول عليها. بالإضافة إلى ذلك فإن بعداً آخر أثري حياتي وهو العدد المقدر من الأشقاء والإخوان، فقد كان والدي متزوجاً من أربع نساء إحداهن شقيقة والد وزير الخارجية البروفسير إبراهيم غندور وهذه قصة زواجه منها تعود إلى أن والدي كان تاجراً كثير الحضور إلى العاصمة الوطنية أم درمان للتبضع وكان يحظى بمكانة كبيرة لدى التجار الذين طلبوا منه الاقتران بامرأة في الخرطوم فكان أن وقع الاختيار عليها.

تعليقات الفيسبوك